رأي/ كرونيك

هل اقتحمت الفلسفة الفضاء العمومي؟

ستظل إشكاليَّة تعريف الفلسفة قائِمة، غير أن القول بأن الفلسفة لم يعُد لها موضوع خاص بها، يعتبر قولاً مُبالغاً فيه ويعود إلى نمط تفكير يربط الفلسفة بالنَّسق الفلسفي المُغلق، وبفهم معين لوظيفة الفلسفة وبطريقة مدرسيَّة مشائيَّة كلاسيكيَّة، فالفلسفة نابِعة من عمق الواقع المتحول ومن صلب كل اهتمامات النَّاس عن وعي أو غي روعي.
لقد سبق وأن كتبت عن الفيلسوفة الإيطاليَّة الشَّابة ميشيلا مارزانو والتي عالجت باستفاضة سؤال الجسد وركزت مؤخراً في أبحاثها على الأجساد الحضريَّة تطويراً لما فكر فيه فوكو وغيره، بالقدر الذي حظيت به فلسفة فن العيش من عودة حقيقيَّة وفلسفة السَّعادة… وينطبق نفس الشيء على الفلسفة في الفضاء العام والتي شجعتها شخصيّاً وشاركت فيها وكتبت عنها وتكلمت عنها في أكثر من مناسبة، وفي هذا السيَّاق أستعد لاستقبال قافلة الفلسفة للأطفال القادمة من أوروبا والتي ستنظم ورشات للأطفال والآباء في الفضاءات العامة وفي المؤسسات ولما حتى داخل المنازل حسب الإمكانيَّات المتاحة، ولهذا لا ينبغي أن نتوجس من: المقهى الفلسفي والصالون الفلسفي وحلقة الفلسفة والفلسفة فالزنقة والفلسفة في المستشفى والفلسفة للأطفال والاستشارة الفلسفيّة والفلسفة في المقاولة… فلربما تكون مناسبة للتحولات الجاريَّة في عالم متغير بسرعة فائِقة، وعلى الفلسفة أن تواكبها.
كثيراً ما نادت حنة أرندت إلى تجديد الشّرط السيّاسي للإنسان الحدِيث أمام موجَة التصَّحُر التي عصفت بالمجتمعات الإنسانيّة في القرن العشرين، وإليها يعود الفضل في نحت مفهومين رئيسين: “الحياة النّشيطَة” كإجابة عن “غياب التفكير” و”الحق في كافة الحقوق” الذي استعارته جوديث بتلر لبناء أطروحتها حول “حقوق اللاَّجئِين” لتعزيز الحاجة إلى “كونيَّةٍ بديلة”.
يتعلق المفهوم الأول بضرورة إعادة الاعتبار للسيَّاسة، من منطلق أن الفلسفة كانت دوماً بصُحبةِ الفعل السيّاسي في ساحة الأغورا: فهل يمكن القول إن تشيّيد أفلاطون للأكاديميّة مَكَّن الطبقة السيَّاسيَّة التي أعدَمت سقراط من قبر الفلسفة في دهاليز المؤسسة التعليميَّة؟
ويتعلق المفهوم الثاني بكون تطور تدريس الفلسفة – أو ما يصطلح عليه بالفلسفة المدرسيَّة – قد خضع لاعتباراتٍ سيّاسيّة محضة بحيث لم تعد مادة لتنميّة القدرات النقديّة ومهارات التفكير والتّعبير الحُر، وإنما مادة كغيرها من المواد تؤدي وظيفتها الايديولوجيَّة والسيَّاسيَّة لضبط الناشِئة والتَّلاعب بطاقاتِها الابداعيَّة. إلا أن علاقة الفلسفة بالمؤسسة التعليميَّة لم تكن دوماً علاقة تطويع ومن الصعوبة القول إنها استطاعت أن تدمج الفلسفة في نسقِها النِّظامي العام: بحيث استطاعت طِوال تاريخ تدريسها أن تُنتج فلاسفة تحرَّروا من قِبضة المُؤسسة، فلاسفة كانت شِيمتهم الباديَّة: “الشَّغب”، فلاسفة رفضوا قوالِب المُؤسسة وإغراءاتِها، ومارسوا النَّقد اللاَّذِع في حق المؤسسة وخلخلوا بنيات التفكير العامِّي والعالِم معاً.
ليس غرضنا ها هنا بيان تاريخ غزو الفلسفة للمجالات الجديدة ولا الرهانات التي تفترضها الفلسفة في نشاطها الجديد، لأن ذلك يستدعي عملاً مُفرداً، وإنما غرضُنا هو محاولة التفكِير في هذه الاشكاليَّة التي فرضت نفسها علينا فرضاً. لذا أمكننا تفسير ولوج الفلسفة للمجالات الجديدة ب:
– تطور تعليم الفلسفة وتعميمه وإجباريته؛
– رهان بعض المؤسسات العالميّة المهتمة بالفكر على الوظيفة السيّاسيّة للفلسفة، أي دورها في الترويج للفكر اللِّيبرالي والديمقراطيَّة اللِّيبراليَّة والوقوف في وجه الأنظمة الشموليَّة والكِليانيَّة؛
– ظهور فلسفة ما بعد الحداثة ودورها في مجاوزة الميتافيزيقا وتفكيك الأنساق الفلسفيَّة الكبرى؛
– تراجع التعليم العتيق في مختلف بلدان العالم وتطور التعليم الحديث وما له من انعكاسات على التعليم الدِّيني الذي كان يلعب دور حارس المعبد الأول والأقدم؛
– ظهور نخب جديدة لا تجد نفسها في السَّاحة الرسميَّة ولم يتم ادماجها في أجهزة الدول، وبعبارة أخرى مقصيَّة عنوةً لما تشكِلُه من خطرٍ محذق على الغايات الكُبرى للفِعل السيَّاسي المؤسسي؛
– تعزيز الحقوق الكونيَّة وضمان حريّة التعبير في بعض الدول الديمقراطيَّة التي تؤمن بحاجتها إلى الفكر النقدي لضمان استمراريتها ودور ذلك النقد في تقويم اعوجاجاتِها؛
– دمج الفلسفة في مواد أخرى دون الاخلال بمهامها أو الخروج عن غاياتها (صيغة الامتدادات والمواد المتآخيّة).
لا يسعنا هنا الوقوف على مجمل العوامل التي ساهمت في تزايد الطلب على الفلسفة. لأن الأمر يستدعي تمعناً دقيقاً وقاعدة معطيات موضوعيّة. وتكفي هنا الإشارة الى أن المساهمات عديدة في هذا المجال ولكنها لا تستطيع أن تقدم تفسيرات فعليّة لولوج الفلسفة لهذه الفضاءات الجديدة، لأنها غارقة في تبرير الحضور لا غير.
يقبع وراء كل مبادرة فاعلون وجنود خفاء حريصون على الوفاء للفلسفة. فثمة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود مبادرات عديدة أقحمت الفلسفة في فضاءات عموميّة وخاصة. وراكمت تجارب لا يستهان بها بدأت تتناسل في مختلف بقاع العالم. ولا يمكن تفسير ذلك إلا لكون الفلسفة بالتعبير الذي صار عاميّاً وأُفرِغ من محتواه ومضمونه: “الفلسفة أم العلوم”، تسعى وراء حشر نفسها في كل شيء، وهو دليل على أزمة الفلسفة أي طبيعة هويتها، فأمام التقدم الهائل والمروع للعلوم لا يسع الفلسفة إلا الدفاع عن هويتها والبحث عن موطئ قدم في مجالات جديدة.
سأكون مسروراً وممتناً لمن علّمني الفلسفة أن أرى سينمائيين وروائيين وأطباء ومحامون وفنانون ومهندسون يتقاسمون معنا نفس الحب: الحب الواحد الذي لا نظير له: حب الحكمة. حب الحكمة يبدو عويصاً إذا افترضنا أن الفلاسفة قد احتكروا هذا التعبير، فلنقل على الأقل حب الفلسفة الذي قد يؤدي إلى محبة الحكمة، وإن لم نستطع الى ذلك سبيلا فلنتحلى بحكمة الحب sophilo.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى