سيد قطب: تأملات في مشروع ملغوم … القفز نحو المواقع الخطرة (الحلقة3)

0

صلاح الدين الجروشي: باحث ومفكر تونسي

كان سيد قطب يتمتع بقدرة عالية على التجريد والتنظير الافتراضي، وهو ما جعله في رحلته  الفكرية  والسياسية يتجاوز الواقعية ويلقي بنفسه وبقرائه ومتابعيه في منطقة فراغ تعج بالمخاطر وتفضي إلى جميع الاحتمالات. ليس برجل تنظيم، ولا يفقه شيئاً كثيراً في هذا المجال.

فشخصيته مختلفة كلياً عن شخصية، مؤسس الجماعة، حسن البنا، الذي كان عقله يشبه الجهاز الداخلي للساعة، وهو ما مكّنه من بناء حركة متعددة الطوابق، ومتداخلة الوظائف، لها ظاهر ولها باطن، وقد لا يعلم ساكن الغرفة (أ)  ما يجري بالغرفة (ب).  أما قطب فقد كان يسبح في بحور مختلفة، ويفكر بطريقة مغايرة. كلاهما مؤثر في الآخرين، وكلاهما كان يطمح إلى تغيير الواقع للوصول إلى نفس الأهداف، لكن لكلٍّ منهما أدواته في التحليل والمرور إلى نفس الأهداف.

تزامن التحاقه بحركة الإخوان والارتباط بها تنظيمياً مع دخولها في منعرج خطير، وتورّطها في أزمة كبرى ومتشعبة. اصطدمت الحركة بـ “الضباط الأحرار” الذين أطاحوا بالنظام الملكي وأصبحوا سادة المرحلة الجديدة. كان الإخوان يظنون بأنّ هؤلاء الذين استولوا على السلطة سيكونون سنداً لهم في تنفيذ مشروعهم السياسي المتّسم بالغموض ولذلك بعد تردّد ساندوهم بقوة، في حين توهّم العسكر الملتفين حول زعامة جمال عبد الناصر أنّ حركة الإخوان ستدعمهم بدون شروط، وستكون تحت تصرفهم لإنجاز الأهداف التي أعلنوا عنها في بيانهم الشهير. اختلفت الحسابات، وتصاعدت الشكوك المتبادلة بين الطرفين، وانتهت العلاقة إلى أزمة مفتوحة تم الاحتكام فيها للقوة والدهاء، وكانت النتيجة الصدام المباشر والمفتوح.

تعامل العسكر مع خصومهم بكثير من الشراسة والقوة والعنف. ووضعوا عديد التبريرات لتمرير سياستهم تلك. حُلّت الجماعة، وحوكم قادتها، وأعدم بعضهم، وتفرق شملهم، وألقي بعشرات الألوف في السجون والمعتقلات، وانتهكت حقوق الكثيرين منهم.

في تلك الظروف القاسية وفي ظل هذا الصراع المحموم على السلطة  والنفوذ، انطلقت رحلة سيد قطب للإجابة عن السؤال التالي: ما العمل؟

لم تكن حركة الإخوان تملك منذ البداية منهجاً واضحاً من شأنه أن يحقق أهدافها. صحيح أنّ حسن البناء المؤسس قام في رسائله برسم “خطة” قائمة على مراحل وآليات. لكن الحركة وجدت نفسها بعد أعوام قليلة تتقاذفها الأحداث مثلما تعبث الأمواج المتلاطمة بقارب يسير بدون بوصلة واضحة. وفي لحظة ما عندما كان القارب محاطاً برياح متعاكسة تعصف به من كل جانب تم اغتيال الربان في ظروف غامضة؛ حيث قرر أصحاب المصلحة بإحدى الغرف المغلقة اغتيال البنا في مرحلة فارقة من مسار الجماعة ومن تاريخ مصر. ورغم نجاح الحركة في ترميم صفوفها باختيار مرشد جديد، إلا أنّها بقيت منذ ذلك التاريخ خاضعة لخطط ظرفية ووقتية ومحكومة بالتذبذب وغياب الوضوح الاستراتيجي، تلتقط كل فرصة تتاح لها حتى تحمي نفسها من الموت والاندثار، وتقتات من ماضيها لتواجه متغيرات لا تتوقف وتحديات جديدة تتجاوز من حيث الكم والنوع منهجيات التنظيم القديمة والجامدة.

تزامن التحاق سيد قطب بحركة الإخوان والارتباط بها تنظيمياً مع دخولها في منعرج خطير وتورّطها في أزمة كبرى ومتشعبة

رغم كونه لا يتحمل أي مسؤولية تنظيمية أو قيادية، ولم يشارك عملياً فيما آلت إليه أوضاع الحركة، إلا أنّ وجوده في زنزانة انفرادية جعلته يفكر في الأسباب التي أدت إلى انقلاب الأوضاع رأساً على عقب، وبدل التضامن والتعاون بين جميع الفرقاء من أجل حماية المرحلة الثورية الجديدة، عمت الأحزان في صفوف الإخوان وعائلاتهم وأنصارهم. وأخذ المثقف الهادئ والمشهود له بالحكمة يبحث عن الحل لما آل إليه وضع الجماعة. من أين يبدأ؟ وأين سيجد هذا الحل؟. في هذه المحطة الفارقة سيتحول قطب من أديب ومثقف وكاتب إلى “واضع استراتيجيات مستقبلية” لتغيير الأوضاع ولكن بأدوات ومناهج أبعد ما تكون عن هذا الفن الذي تحول إلى علم له ضوابطه وخصوصياته.

لجأ سيد إلى القرآن الكريم الذي كان أنيسه في وحدته، ومن جهة أخرى استحضر تفاصيل السيرة النبوية عساها أن تساعده على فهم الأزمة السياسية التي حصلت في بلده مصر بين المؤسسة العسكرية وجماعة كانت تنشد الحكم منذ ولادتها بحجة “أنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن” كما نقل عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وكما أكد حسن البنا في قوله “إنّ القوة أضمن طريق لإحقاق الحق، وما أجمل أن تسير القوة والحق جنباً إلى جنب”.

لم يستعرض سيد قطب السياق التاريخي والظروف التي أحاطت بذلك الصدام. لم يتحدث عن الأسباب التي دفعت بالعسكر إلى اقتحام المجال السياسي، وقرارهم البقاء في السلطة. لم يطلعنا عما دار داخل هياكل الإخوان المسلمين قبل حصول المواجهة وبعدها. لم يجب عن عشرات الأسئلة التي كانت مطروحة في تلك الأيام حتى يستطيع المصريون وغيرهم معرفة ما الذي حصل وماذا كان يحدث في الكواليس. هل كانت المواجهة بين فريقين محليين أم أنّ المعركة كانت أكبر من ذلك بكثير؟ هل كان الإخوان زاهدين في السلطة أم كانوا معنيين بها كشركاء على الأقل؟ ألم يساعد الإخوان  في مرحلة أولى على انفراد الجيش بالحكم عندما أيدوا قرار حل الأحزاب الذي صدر بتاريخ 16  (يناير) 1953 ، قبل أن يعدلوا موقفهم عندما اتجهت نية الضباط نحو حل الجماعة وطلب منها العمل من داخل ما سمّي بـ “هيئة التحرير” التي ستكون بديلاً عن الأحزاب وعن البرلمان؟ فالإخوان كانوا يرون في أنفسهم القاعدة الشعبية التي يمن أن تسند الحكومة والنظام الجديد، لكن الأحداث سارت في اتجاه معاكس.

لم يستعرض قطب كل ذلك، فهي بالنسبة له تفاصيل لا قيمة لها، وإنما بحث عن إطار مرجعي يمكنه من العثور على “الخطيئة الأصلية” كما يصفها المسيحيون. تساءل عن مكمن الخطأ والخطر. لم يبحث عن ذلك في بنية الجماعة أو في مشروعها السياسي، ولم يحلل طبيعة النخب المصرية في تلك المرحلة، ولم يحفر من أجل فهم تاريخ المؤسسة العسكرية في مصر والمتغيرات التي طرأت عليها وعلى أجيال العسكريين الذين مروا بها. ولم يحلل موازين القوى الدولية التي كانت متصارعة بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة وبين الاحاد السوفيتي   من جهة أخرى. تجاوز قطب كل ذلك واعتبر أنّ الأصل هو الصراع الأبدي والمستمر بين الحق وأنصاره والباطل وأتباعه. أو بعبارة أخرى المؤمنون والكافرون.

لم يعد الحديث لديه عن أحزاب وقوى.. اختفى هؤلاء واستبدلوا بمعركة بين جبهتين؛ واحدة تضم المؤمنين، وأخرى تشمل الأعداء لهم

عندما وضع المنظار على عينيه اختلف المشهد أمامه كلياً. لم يعد الحديث لديه عن أحزاب وقوى سياسية وعسكر وعمال ومثقفين وفقراء وإقطاع ورأسماليين ووطنيين وعملاء. اختفى هؤلاء وراء جدار سميك ليس به نوافذ ولا ثقوب، واستبدلوا بمعركة مفتوحة بين جبهتين؛ جبهة تضم المؤمنين، مقابل أخرى تضم أعداء لهم يريدون تدميرهم وإخضاعهم بالقوة والحيلة والمال والسلطة للطاغوت. إنّه سيناريو يتكرر عبر التاريخ، تتغير الشخوص لكن يبقى جوهر الصراع. يقول قطب “إنّهـا مـعركة تتـجمع فيـها قـوى الشـر فـي هذا الكون.. شياطين الإنس والجن.. تتجمع في تعاون وتناسق لإمضاء خطـة مقررة.. هي عداء الحق ـ الممثَّل في رسالات الأنبياء ـ وحربه.. ولكن هذا الكيد كله ليس طليقاً.. إنّه محاط به مشيئة الله وقدَره.. لا يقدر الشياطين على شيء منه، إلا بالقدْر الذي يشاؤه الله وينفذه بقدره، ومن هنا يبدو هذا الكيد ـ على ضخامته وتجمع قوى الشر العالمية كلها عليه ـ مقيَّداً مغلولاً!

هذا هو الإطار العام الذي وضعه قطب لمعركة سياسية وثقافية، ووضع لتلك المعركة “منهجاً” اعتقد بكونه عملياً من أجل إدارتها والانتصار فيها.

المصدر: حفريات

Leave A Reply