ثريا التناني تكتب: قررت اليوم أن أعود لطفولتي متأكدة أنها ستخلصني لحين من يباسة الواقع

0

تساءل فولتير ذات مرة :” ما الجنون؟”، فأجاب :” هو أن تكون لك أفكار مشوشة”. وهذا التعريف يتناسب تماما والفكرة التي انتابتني هذا الصباح لما قررت أن أتبرأ من هذا الحاضر البئيس ، ومن المستقبل الذي قد يكون أكثر بؤسا ، وأعود إلى طفولتي وأنا متأكدة من كونها ستكون قادرة على تخليصي من يباسة الواقع ، وقسوته ، وضجره . وكما توقعت تماما تلامحت لي صورة صديقتي والتي لا أراها إلا نظيرة لشاعرة افريقية لا أعرفها ، لكني أعرف وسامتها ، وذكاءها ، ورجاحة عقلها.

كنا في المساء نجلس على السطح ونراقب النجوم  ونصغي باهتمام إلى الشتائم المنبعثة من منزل جارهم ، أو جارنا السكير نمضي ساعات طوال في النقاش والجدال حول فرويد وعلاقة تحليله بالدراويش الذين يزورون حينا كل صيف  وكنا رغم حداثة سننا  نحاول فك معاداة العقل من خلال كتاب “في التناقض” لماو تسي تونغ


نتجول في الحي ، وتوصل إحدانا الأخرى إلى منزلها ، مرارا وتكرارا إلى أن يستقر رأينا على الوقوف في منتصف الطريق ، فنعجز عن الافتراق أمام “الموستاج” الذي كان يتعجب من حبنا ومن صداقتنا المتفردة.


ما كنا نأبه لنظراته ، ولا همهماته ، لأننا كنا مشغولتين بما هو أهم، مستلهمتين روسو الذي قال :”إن العيش والتجربة مع أقران أنداد هو العيش الحقيقي”.


كانت تلهمنا الصور الزاهية للمحبة التي أزهرت ونحن نرى الناس الطيبين في قريتكن وقريتنا يرقصون ويغنون وهم يحرثون قراريطهم. فالطفولة كما تعلمين هي البراءة النقية الصافية، وهي العشق الذي تتبرعم فيه الأحاسيس التي لا نستطيع منها الفرار. وهل هناك عاقلة تهرب من عالمها الأول حيث الشوق المتفجر في الأعماق ، وحيث النداءات الخفية والحنين الغامض . كنا سعيدتين ، ونعتقد أنه لا يوجد أسعد منا على وجه الأرض ونحن نتطلع إلى الحقول النظرة التي تمتد وتمتد، ونحن نغمس الخبز بزيت الزيتون المصنوع بيد جدتك ، أو في معصرة أخوالي ، كان زيت جدتك أعذب ونحن نمزجه بعطر الصباحات وكرماتها الظليلة.


لن أمل ولن أكل من استحضار تلك اللقاءات الجميلة في المساءات الصيفية  ونحن ننصت بوله شديد لوردة الجزائرية ولأم كلثوم التي كنت تعشقين وتغنين هذا المقطع الجميل : ” هل رأى الحب سكارى بيننا..”


حينما أقلب صفحات الماضي أعثر على نفس الحب ، ونفس الأسئلة والأجوبة التي عثرت عليها في الحكاية التي كانت بيني وبينك ونحن نترجم اسمينا من العربية إلى الفرنسية ونفرح ونضحك حينما نفهم المعنى الثورة والحكمة.
صور تتداعى مع رغبة عارمة في تملك عمر آخر لكي أحبك أكثر.

Leave A Reply