كيف تحولت صناعة الأفلام إلى ساحة مواجهة جديدة لصراع الشرق الأوسط؟
12/09/2025
0
تحرير: جيهان مشكور
لم تعد الحروب في الشرق الأوسط مقتصرة على ساحات القتال أو أروقة السياسة والدبلوماسية، بل امتدت إلى عوالم الفن والإبداع، حيث أصبح قطاع السينما منصة جديدة لصراع الروايات المتعارضة. من مهرجان البندقية إلى تورونتو، ومن الحملات العالمية للمقاطعة إلى العرائض الموقعة من أبرز نجوم هوليوود، يتجلى بوضوح أن السينما لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة تعكس التوترات السياسية وتعيد إنتاجها على شاشة ضخمة يتابعها العالم.
عرائض المقاطعة.. السينما تتحول إلى جبهة سياسية
وقع أكثر من 1800 شخصية مؤثرة في عالم السينما، بينهم أسماء مرموقة مثل تيلدا سوينتون، أوليفيا كولمان، مارك روفالو والمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس، على نداء مبادرة “عمال السينما من أجل فلسطين”.
هذا النداء أعلن بوضوح رفض التعاون مع المؤسسات السينمائية الإسرائيلية التي وُصفت بأنها “متورطة في الإبادة الجماعية والفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني”، وقد أشار البيان إلى أن الأمر لا يتعلق بمقاطعة الأفراد، بل بالمؤسسات التي تحافظ على روابط مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية وتدعم سياساتها.
من جهته، وصف اتحاد المنتجين الإسرائيليين العريضة بأنها “مضللة”، معتبراً أنها تخلط بين الأفراد والمؤسسات وتستهدف ما سماه بـ”الأشخاص الخطأ”، غير أن المبادرة لم تكن وليدة اللحظة، بل استندت إلى تجارب سابقة مثل حملة “المخرجون المتحدون ضد الفصل العنصري” التي شارك في تأسيسها المخرج الشهير مارتن سكورسيزي في أواخر الثمانينيات لمقاطعة نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا.. بهذا المعنى، فإن قطاع السينما اليوم يعيد إنتاج ممارسات الضغط الثقافي والسياسي التي شكّلت تاريخياً إحدى أدوات مواجهة الأنظمة المتهمة بالانتهاكات.
مهرجان تورونتو.. بين حرية التعبير واتهامات الرقابة
برزت في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل مع الفيلم الوثائقي الكندي “الطريق بيننا: الإنقاذ النهائي” للمخرج باري أفريش، الفيلم يوثق رحلة جنرال إسرائيلي متقاعد في السابع من أكتوبر 2023 إلى كيبوتس ناحال عوز لإنقاذ ابنه وعائلته من هجوم شنته حركة حماس.. استخدم العمل لقطات مأخوذة من كاميرات عناصر حماس، وهو ما أثار حساسية قانونية تتعلق بحقوق النشر والاستخدام، وأدى بدايةً إلى حذف الفيلم من برنامج المهرجان.
لكن قرار الحذف قوبل بموجة انتقادات عارمة من أكثر من ألف شخصية في قطاع الترفيه، بينهم الممثلتان الأمريكيتان آمي شومر وديبرا ميسينغ، اللتان اتهمتا المهرجان بمحاولة “إسكات الأصوات اليهودية”، و أمام هذه الضغوط، تراجع المنظمون وأعادوا إدراج الفيلم، مع إعلان اعتذار رسمي وتأكيد على معالجة الإشكالات القانونية. المخرج باري أفريش كشف أنه سيحضر المهرجان مرفوقاً بفريق أمني خاص، في خطوة تعكس حجم التوتر الذي قد يرافق عرض فيلم يتناول موضوعاً بالغ الحساسية في سياق دولي منقسم.
“صوت هند رجب”.. وجع غزة على الشاشة الكبيرة
في المقابل، حمل مهرجان البندقية السينمائي صورة مغايرة عبر فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، الذي يحكي القصة المأساوية لفتاة فلسطينية قُتلت خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية على غزة في يناير 2024.. الفيلم، الذي حاز جائزة الأسد الفضي، لاقى تصفيقاً متواصلاً استمر أكثر من عشرين دقيقة، في مشهد عاطفي كشف قدرة الفن على نقل مأساة إنسانية إلى وجدان جمهور عالمي.
غير أن النجاح الفني لم يمنع موجة التهديدات التي تلقاها فريق العمل بعد العرض الأول، إذ أكدت المخرجة أنها تلقت “آلاف الرسائل” التي تضمنت مضايقات وتهديدات، أظهرت هذه التفاعلات أن السينما التي تروي مأساة إنسانية قد تتحول بدورها إلى هدف في معركة إعلامية وسياسية لا تقل حدة عن المعركة على الأرض.
هوليوود بين الانقسام والتردد
القضية الفلسطينية والإسرائيلية لطالما شكلت اختباراً حساساً في الأوساط الفنية الأمريكية، حيث نشرت صحيفة نيويورك تايمز تعليقاً للصحفية شارون واكسمان وصفت فيه الموضوع بأنه “قضية حساسة” داخل هوليوود، حيث يثير “قناعات عميقة وغاضبة” ويكشف انقسامات حادة بين المبدعين،فيما يرى بعض الفنانين في مقاطعة المؤسسات الإسرائيلية امتداداً لحركة المقاطعة العالمية (BDS)، بينما يعتبر آخرون أن ذلك يشكل استهدافاً غير عادل ويقيد حرية التعبير الفني.
صراع الروايات على الشاشة
يكشف المشهد الحالي أن السينما باتت أداة أساسية لإعادة إنتاج الصراع في الشرق الأوسط، ليس فقط كموضوع يُتناول سردياً، بل كساحة مواجهة تتقاطع فيها السياسة بالفن.. ، فيلم يروي مأساة طفلة من غزة يثير التعاطف والجدل، وفيلم يوثق هجوم السابع من أكتوبر يثير اتهامات الرقابة، وفي الخلفية تتحرك عرائض المقاطعة وحملات الدعم لتؤكد أن صناعة السينما لم تعد محايدة، بل جزءاً من معركة أشمل حول السرديات والسيطرة على الذاكرة الجماعية.
هكذا، يتضح أن “الوجه الآخر” لصراع الشرق الأوسط لم يعد بعيداً عن شاشات العرض العالمية، فيما تحولت السينما إلى مرآة تكشف الانقسامات، وإلى ساحة جديدة يتصارع فيها الفنانون والمنتجون والمهرجانات، بين من يرى الفن أداة مقاومة ومن يعتبره مساحة للتعبير الحر خارج السياسة، وفي كل الأحوال، يبدو أن المشاهد العالمي لم يعد يتلقى فقط صور الدمار من نشرات الأخبار، بل يعيشها بتفاصيلها على شاشة السينما، حيث تمتزج الحقيقة بالدراما لتعيد إنتاج واحدة من أعقد القضايا في العالم.