الرئسيةسياسة

طاطا تحت المجهر: ملايين الدعم…وأثر غائب

°بقلم بثينة المكودي

في إقليم طاطا، حيث تقاس الحياة بقطرات الماء، وحيث لا تعدّ الواحة نشاط فلاحي فحسب بل شرط للوجود والاستقرار، يعود سؤال الحكامة ليطرح نفسه بإلحاح على طاولة السياسات العمومية، هذه المرة ليس عبر مواقف انطباعية أو خطابات عامة، بل من خلال أسئلة برلمانية، مؤسسة على أرقام ومعطيات، تضع تدبير الدعم العمومي والاعتمادات المالية تحت مجهر الشك والمساءلة، وتعيد طرح سؤال مركزي لمن يُوجَّه المال العام، وبأي أثر فعلي على الأرض؟

سؤالان كتابيان وجّههما الفريق الحركي بمجلس النواب أعادا فتح ملفين بالغَي الحساسية في إقليم يعاني أصلا من الهشاشة المناخية والاقتصادية، وهما دعم زراعة الطماطم، وميزانيات الوقاية من حرائق الواحات؛ ملفان يبدوان منفصلين من حيث الموضوع، لكنهما يلتقيان في العمق عند اختلال العلاقة بين القرار المالي والواقع الميداني، وحين تتحول السياسات العمومية إلى أرقام مُعلنة بلا نتائج ملموسة.

دعم الطماطم: فجوة مالية وأسئلة بلا أجوبة

بحسب المعطيات التي تضمّنها السؤال البرلماني، جرى الإعلان عن زراعة 1400 هكتار من الطماطم بإقليم طاطا، بدعم عمومي يفترض أن يبلغ 56 مليون درهم، على أساس 40 ألف درهم للهكتار الواحد، غير أن الرقم الرسمي المعلن لا يتجاوز 48 مليون درهم، ما يفتح فجوة مالية تقارب 8 ملايين درهم، هنا وجب التفحص إذ لا يمكن التعامل معها كاختلال تقني أو هامش تدبير طبيعي.

في هذا السياق، يسلّط السؤال البرلماني الضوء على شبهات اختلالات محتملة في طريقة صرف الدعم العمومي الموجّه لزراعة الطماطم، حيث تكشف المعطيات المتداولة عن تباين واضح بين ما هو مُعلن في الوثائق الرسمية، وما ينعكس فعليًا على أرض الواقع، هذا التفاوت يفتح باب التساؤل حول مصير الفارق المالي، ومعايير تحديد المستفيدين، ومدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص في توزيع المال العام.

وجود مساحات “مزروعة على الورق”

الأخطر من ذلك، هو ما يلمّح إليه السؤال من وجود مساحات “مزروعة على الورق”، مقابل إقصاء ضيعات أخرى تستوفي الشروط القانونية والتقنية دون الاستفادة من الدعم، وهو ما يطرح إشكالية تتجاوز الخلل الإداري لتلامس شبهة منطق انتقائي في توزيع الدعم، يُفرغ السياسة الفلاحية من بعدها الاجتماعي، ويقوّض الثقة في آليات التدبير.

ولا يقف النقاش عند حدود الأرقام، بل يمتد إلى أسئلة جوهرية حول آليات المراقبة والتحقق الميداني “هل يتم التأكد فعليا من المساحات المزروعة؟ هل تخضع لوائح المستفيدين لافتحاص مستقل؟ وعلى أي أساس يتم القبول أو الإقصاء؟ ” وهي أسئلة لا تهم طاطا وحدها، بل تمس مصداقية منظومة الدعم الفلاحي الوطنية، خاصة في سياق يتكرر فيه الحديث عن ترشيد الموارد المائية وضرورة توجيه الدعم نحو الزراعات الملائمة للخصوصيات البيئية للمجالات الواحية.

حرائق الواحات: اعتمادات قائمة ووقاية محدودة الأثر

الملف الثاني الذي أثاره السؤال البرلماني لا يقل خطورة، ويتعلق بحرائق الواحات وتنقية الأعشاش، في منطقة يُفترض أن تكون الوقاية فيها أولوية استراتيجية لا خيار ثانويي.، فالواحة في طاطا ليست مورد اقتصادي فقط، بل منظومة بيئية واجتماعية هشة، وأي خلل فيها يهدد شروط العيش والاستقرار.

وبالرغم من رصد اعتمادات مالية مهمة خلال السنوات الخمس الأخيرة للوقاية من الحرائق، تشير المعطيات التي استند إليها السؤال البرلماني إلى أن نسبة الإنجاز الميداني لا تتجاوز 10 في المائة، في وقت تتصاعد فيه وتيرة الحرائق سنة بعد أخرى ، مفارقة تطرح أسئلة حادة حول نجاعة التخطيط والتنفيذ وتتبع الصفقات.

كيف تستمر الحرائق في التهام الواحات، بينما تُصرف الملايين باسم الوقاية؟ وأين يكمن الخلل في الدراسات التقنية، أم في تنفيذ الأشغال، أم في مراقبة المتعهدين؟ السؤال البرلماني يطالب بتوضيح حجم الميزانيات المرصودة سنويا، وهوية الشركات المستفيدة من الصفقات، ومعايير اختيارها، وطبيعة الأشغال المنجزة فعليا، لا تلك المضمنة نظريًا في دفاتر التحملات.

وهو ما يعيد طرح مسألة الصفقات العمومية في المناطق الهشة، ومدى ربط صرف الاعتمادات بنتائج قابلة للقياس، بدل الاكتفاء بمنطق الصرف دون تقييم الأثر.

سؤال الحكامة بين المركز والهامش

القاسم المشترك بين الملفين ليس فقط الشبهات المالية أو ضعف الإنجاز، بل القطيعة بين القرار المركزي والواقع المحلي. فحين تُقاس السياسات العمومية بحجم الميزانيات المصروفة لا بالأثر المتحقق، يتحول المال العام من رافعة للتنمية إلى عبء إضافي على مجالات تعاني أصلًا من الهشاشة.

وجدير بالذكر أنه في طاطا، لا تملك الساكنة ترف الانتظار ولا هامش الخطأ، فندرة المياه، وتراجع الواحات، وتفاقم المخاطر البيئية، تجعل أي اختلال في التدبير مسألة وجودية، لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه الأسئلة البرلمانية كإجراء روتيني، بل كإنذار مؤسساتي يستدعي تحقيق إداري دقيق وشفاف، ونشر فعلي للمعطيات للعموم، ومراجعة جذرية لآليات الدعم والمراقبة، بما يضمن العدالة والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي النهاية، السؤال الحقيقي ليس كم صُرف، بل ما الذي تغيّر على الأرض؟ وفي طاطا، الجواب لا يزال معلّقا بين واحة تحترق، ودعم لا يصل، وأرقام تحتاج أكثر من تبرير… تحتاج حقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى