
يعرف القطاع الفلاحي المغربي، خصوصًا سلسلة الحمضيات، دينامية تصاعدية غير مسبوقة تؤكد انتقاله من دور المورّد التكميلي إلى فاعل رئيسي داخل السوق الأوروبية، وعلى رأسها إسبانيا..
حيث تشير المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية إلى أن واردات البرتقال والماندرين المغربي بين يناير وأكتوبر 2025 قفزت من 7,341 طنًا إلى 27,325 طنًا، مسجلة زيادة تناهز 272 في المائة خلال عام واحد، وتعكس هذه القفزة اللافتة تحولًا بنيويًا في موازين العرض والطلب داخل السوق الإسبانية، كما تكشف في الآن نفسه عن توسع نفوذ الفلاحة المغربية خارج حدودها التقليدية.
عوامل التفوق المغربي في سوق تنافسية
يعزى هذا الاختراق إلى تضافر عدة عوامل، أبرزها تطور منظومات الإنتاج والتوضيب، وتحسن سلاسل التبريد والنقل، إضافة إلى القرب الجغرافي الذي يمنح المغرب أفضلية زمنية ولوجستية حاسمة، كما أن تنويع الأصناف وتحسين الجودة واحترام المعايير الصحية الأوروبية جعلت الحمضيات المغربية أكثر جاذبية للمستورد الإسباني، خاصة في ظل تراجع أو تقلب الإنتاج المحلي بفعل التغيرات المناخية.
تأثيرات غير متوازنة على السوق الداخلية
غير أن هذا النجاح التصديري لا يمر دون كلفة داخلية.. فارتفاع وتيرة التصدير، خاصة في ذروة الموسم، ينعكس بشكل مباشر على السوق الوطنية من خلال تقلص العرض وارتفاع الأسعار، ما يضع المستهلك المغربي أمام معادلة صعبة، وبينما تستفيد سلاسل التصدير والوسطاء من العملة الصعبة وهوامش الربح، تجد فئات واسعة من المواطنين نفسها خارج القدرة الشرائية لمنتوج يفترض أنه محلي.
بين رهانات التصدير وحماية التوازن الداخلي
يطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا حول حكامة التوازن بين دعم الصادرات وضمان استقرار السوق الداخلية، فنجاح المغرب في الأسواق الأوروبية يظل مكسبًا استراتيجيًا، لكنه يحتاج إلى آليات ضبط تحمي المستهلك المحلي وتمنع تحوّل التفوق الخارجي إلى ضغط اجتماعي داخلي، في معادلة لا تقاس فقط بالأطنان المصدّرة، بل أيضًا بعدالة التوزيع.





