الرئسيةبيئةمجتمع

اخباري تحليلي: انتعاش مع ذلك مؤقتا..تحسن مائي ظرفي أم بداية تحول استراتيجي؟

تكشف المعطيات الرسمية التي قدمها وزير التجهيز والماء، نزار بركة، عن انفراج مائي لافت بعد سنوات من الإجهاد المائي الحاد، غير أن القراءة السياسية والبيئية لهذه الأرقام تفرض التمييز بين التحسن الظرفي المرتبط بعامل مناخي استثنائي، وبين التحول البنيوي المطلوب لضمان الأمن المائي المستدام.

واقع التغير المناخي الذي بات يطبع المغرب بدورات مطرية غير منتظمة

من الناحية البيئية، تعكس التساقطات المطرية والثلجية المسجلة خلال الأشهر الأخيرة انتعاشا مؤقتا في الدورة الهيدرولوجية، خصوصاً مع بلوغ التساقطات 121.5 مليمتر وارتفاع نسبة ملء السدود إلى 48 في المئة.

غير أن هذا التحسن، رغم أهميته، لا يلغي واقع التغير المناخي الذي بات يطبع المغرب بدورات مطرية غير منتظمة، تتسم بالتذبذب الحاد بين سنوات الجفاف وفترات الأمطار الغزيرة المركزة زمنياً، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والهدر بدل التغذية الطبيعية المستدامة للفرشات المائية.

يبرز الامتداد الواسع للتساقطات الثلجية كعامل إيجابي في تغذية الأحواض المائية الجبلية، غير أن محدودية قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه، إلى جانب الاستغلال المفرط للموارد الجوفية، يطرحان تساؤلات جدية حول فعالية هذا المورد الطبيعي في المدى المتوسط والبعيد، ما لم يُقرن بسياسات صارمة لإعادة شحن الفرشات المائية وضبط الاستعمالات الفلاحية.

خطاب قد يتحول إلى سلاح ذي حدين إذا ما استخدم لتأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية

تحمل لغة الأرقام سياسيا،  التي قدمها الوزير بعدا تواصليا، إذ تسعى الحكومة إلى تقديم صورة الاطمئنان بعد مرحلة اتسمت بقلق مجتمعي واسع حول ندرة الماء وتهديد الأمن الغذائي.

إن التأكيد على “سنة إضافية من الماء الشروب” لا ينفصل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي المتوتر، حيث يشكل الماء عنصراً مركزيا في الاستقرار الاجتماعي والثقة في السياسات العمومية.

غير أن هذا الخطاب، رغم وجاهته الظرفية، قد يتحول إلى سلاح ذي حدين إذا ما استُخدم لتأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية، وعلى رأسها مراجعة النموذج الفلاحي المستنزِف للمياه، خاصة الزراعات التصديرية ذات الاستهلاك المرتفع، وإعادة ترتيب الأولويات بين الأمن المائي للمواطنين ومتطلبات السوق.

تسريع إنجاز السدود رغم أهميته يظل خيارا تقنيا محدود الأثر

كما أن تسريع إنجاز السدود، رغم أهميته، يظل خيارا تقنيا محدود الأثر إذا لم يواكب بسياسة مائية مندمجة تشمل تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وترشيد الاستهلاك الحضري والفلاحي، مع تعزيز الحكامة والشفافية في تدبير الموارد المائية.

وفي العمق، تعكس هذه المعطيات مفارقة بنيوية في السياسة المائية المغربية: وفرة ظرفية تُستقبل بخطاب الارتياح، مقابل هشاشة هيكلية تتطلب قرارات غير شعبية لكنها ضرورية.

فالأمن المائي لم يعد رهين الأمطار فقط، بل أصبح رهينا بجرأة سياسية قادرة على الانتقال من منطق تدبير الندرة إلى منطق التكيف المستدام مع التغير المناخي.

في السياق ذاته، كانت أكدت  نتائج دراسة علمية أنجزها باحثون مغاربة على مدى ثلاث سنوات، أن المغرب يوجد في وضعية هشاشة مائية بنيوية، رغم كونه مستوردا صافياً لما يُعرف بـ«المياه الافتراضية» عبر تجارته الفلاحية الخارجية.

فقد أظهرت المعطيات، التي شملت 40 صنفا من الزراعات خلال الفترة ما بين 2000 و2017، أن ميزان المياه الافتراضية ظل إيجابيا، أي إن المملكة تستورد من المياه أكثر مما تُصدر.

وبلغة الأرقام، صدر المغرب خلال هذه الفترة ما يقارب 95 ألف هكتومتر مكعب من المياه الافتراضية، استحوذت الخضروات وحدها على أزيد من 72 في المئة منها، في مقابل استيراد ضخم ناهز 690 ألف هكتومتر مكعب، شكلت الحبوب أكثر من 98 في المئة منه.

إن هذه المفارقة تكشف أن المغرب يعوض جزءا من خصاصه المائي عبر استيراد منتجات فلاحية كثيفة الاستهلاك للمياه، لكنه في المقابل يواصل تصدير محاصيل تستنزف موارده المائية المحدودة.

وتخلص الدراسة إلى أن هذا التوازن، وإن بدا ظاهريا في صالح المغرب، يظل غير كاف لمواجهة الخطر المتصاعد للإجهاد المائي.

الوضع يستدعي تحولا جذريا في السياسة الفلاحية والتجارية

فالوضع، بحسب الباحث عبد السلام بودهار، يستدعي تحولا جذريا في السياسة الفلاحية والتجارية، يقوم على تقليص تصدير الزراعات الشرهة للماء، وتعزيز استيرادها بدل إنتاجها محليا، حفاظا على الأمن المائي الوطني.

تشير نتائج الدراسة إلى أن المغرب يعتمد بنية مختلّة لتجارة «المياه الافتراضية» تُلحق ضررا مباشرا بموارده المائية، إذ يقوم بتصدير منتجات فلاحية كثيفة الاستهلاك للماء في سياق يعاني فيه البلد من إجهاد مائي متفاقم.

وترى الدراسة أن تصحيح هذا الاختلال يمر بالضرورة عبر تغيير جذري في أنماط استعمال المياه في القطاع الفلاحي على نطاق واسع، بما ينسجم مع الواقع المائي للبلاد لا مع منطق السوق فقط.

ضرورة إعادة التوازن بين صادرات وواردات المنتجات الزراعية

وفي هذا السياق، يشدد الباحث عبد السلام بودهار على ضرورة إعادة التوازن بين صادرات وواردات المنتجات الزراعية، مبرزا أن منطق التصدير من أجل جلب العملة الصعبة لا يمكن أن يستمر بمعزل عن كلفة استنزاف الموارد المائية. فالحساب الاقتصادي، وفق الدراسة، يجب أن يدمج «كلفة العجز المائي» باعتبارها عنصرا مركزيا في تقييم الجدوى الحقيقية للسياسات الفلاحية والتجارية.

وتذهب الدراسة أبعد من ذلك، بدعوة صريحة إلى مراجعة منظومة الدعم العمومي، عبر إنهاء الإعانات الموجهة للمحاصيل الشرهة للماء، مثل الحمضيات والأفوكادو، التي تُروى بكثافة رغم محدودية الموارد المائية، ما يكرس اختلالا بين الأمن الغذائي والأمن المائي.

إعادة تقييم الشراكات على أساس «العدالة المائية» وليس فقط الربحية الاقتصادية

كما تثير الدراسة مسألة الشراكات الفلاحية الدولية، معتبرة أن استمرار التعاون مع دول لا تعاني من ندرة مائية، في إطار إنتاج محاصيل موجهة للتصدير، يفاقم الضغط على الموارد الوطنية، وتقترح إعادة تقييم هذه الشراكات على أساس «العدالة المائية» وليس فقط الربحية الاقتصادية.

وفي العمق، يؤكد الباحثون أن الخروج من هذا المأزق البنيوي يمر عبر تعزيز الاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي الزراعي، بهدف تطوير محاصيل تتلاءم مع الخصوصيات المائية لكل جهة، وتدشين نموذج فلاحي جديد يقوم على التكيف مع الندرة، لا على استنزاف مورد لم يعد قابلا للتجدد بالوتيرة نفسها.

اقرأ أيضا…

توفلعزت: الماء مرآة اللامساواة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى