
سجلت الوضعية المائية بالمغرب تحولا نوعيا مع متم 11 فبراير 2026، بعدما بلغت نسبة ملء السدود 69.3 في المائة، بمخزون إجمالي يفوق 11.6 مليار متر مكعب، مقابل 27.6 في المائة فقط خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. قفزة تتجاوز 150 في المائة في حجم المخزون، تعكس انتقال البلاد من مرحلة الإجهاد الحاد إلى هامش مائي مريح نسبياً، بعد سبع سنوات متتالية من الجفاف.
اقترب حوضا اللوكوس وسبو من الامتلاء الكامل
هذا التحسن لم يكن متساويا من حيث التوزيع المجالي، لكنه شمل معظم الأحواض الكبرى. فقد اقترب حوضا اللوكوس وسبو من الامتلاء الكامل (أكثر من 90%)، كما سجل حوض أبي رقراق نسبة تفوق 92%، وتانسيفت 82.9%. في المقابل، ما تزال بعض الأحواض الجنوبية والداخلية، مثل درعة–واد نون وأجزاء من أم الربيع وسوس–ماسة، عند مستويات متوسطة أو ضعيفة نسبياً، ما يعكس استمرار التفاوت الترابي في الأمن المائي.
من وفرة ظرفية إلى أمن مائي مستدام
غير أن الأهم من الأرقام هو كيفية تحويل هذه الوفرة الظرفية إلى مكسب استراتيجي دائم. فالمغرب خبر جيداً أن امتلاء السدود لا يعني نهاية أزمة الماء، بل قد يكون مجرد دورة مناخية رطبة ضمن سياق تغيرات مناخية حادة تتسم بعدم الانتظام.
أول رهان يتمثل في التدبير الاستباقي للمخزون، عبر عقلنة إطلاق المياه، وتفادي ضياعها في البحر، مع تعزيز الربط بين الأحواض المائية. مشروع تحويل المياه من حوض سبو نحو أبي رقراق وأم الربيع يمثل نموذجاً عملياً لإعادة توزيع الفائض، ويُنتظر توسيعه ليشمل أحواضاً أخرى تعاني عجزاً هيكلياً.
الرهان الثاني يرتبط بتسريع تحلية مياه البحر، خصوصاً في المناطق الساحلية الكبرى (الدار البيضاء، أكادير، الداخلة). الوفرة الحالية تمنح هامشاً زمنياً لتثبيت هذه المشاريع دون ضغط استعجالي، حتى تصبح التحلية رافعة دائمة للأمن المائي بدل حل ظرفي في فترات الشح.
أما الرهان الثالث فيتعلق بإصلاح أنماط الاستهلاك، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يستهلك نحو 80% من الموارد المائية. المرحلة الحالية فرصة لإعادة توجيه الدعم نحو الزراعات الأقل استنزافاً للمياه، وتعميم الري الموضعي الذكي، وربط الدعم العمومي بفعالية الاستعمال المائي.
البعد البيئي والاقتصادي
امتلاء السدود ينعكس إيجاباً أيضاً على إنتاج الطاقة الكهرومائية، وتقليص الضغط على الفرشات الجوفية التي تعرضت لاستنزاف مفرط خلال سنوات الجفاف. كما يمنح الدولة قدرة أكبر على تأمين التزويد الحضري والصناعي، وهو عنصر حاسم في جذب الاستثمارات.
لكن هذا التحسن يضع في المقابل تحدياً تقنياً يتعلق بسلامة السدود وإدارة الفيضانات، خاصة بعد تجاوز بعض المنشآت عتبة 90% من الملء. ما يفرض يقظة مستمرة، وصيانة دقيقة، وتحيين خطط الحماية من المخاطر.
منطق الدورة إلى منطق الاستراتيجية
الدرس الأبرز من هذه المرحلة أن المغرب لا يمكنه الانتقال من خطاب “تدبير الأزمة” إلى خطاب “الاطمئنان المناخي”. التغيرات المناخية تجعل من الوفرة حدثاً استثنائياً لا قاعدة دائمة. لذلك، فإن تثبيت الأمن المائي يمر عبر:
تسريع الربط المائي بين الأحواض
توسيع التحلية وإعادة استعمال المياه العادمة
إصلاح السياسة الفلاحية وفق مبدأ النجاعة المائية
تعزيز الرقمنة ومراقبة الاستهلاك
حماية الفرشات الجوفية من الاستنزاف
في المحصلة، ما تحقق ليس فقط ارتفاعاً في منسوب المياه، بل فرصة سياسية واقتصادية لإعادة بناء علاقة البلاد بموردها الأكثر حساسية. فالأمن المائي لم يعد مسألة تقنية، بل ركيزة من ركائز السيادة الوطنية في زمن المناخ المتقلب.





