
مع اقتراب شهر رمضان من كل سنة، يعود في المغرب نقاش الساعة القانونية إلى الواجهة، ليس فقط كإجراء إداري مرتبط بتدبير الزمن، بل كقضية اجتماعية وصحية تتجاوز بعدها التقني.
فقرار العودة إلى توقيت غرينتش خلال الشهر الفضيل يتحول إلى حدث ينتظره كثير من المغاربة بشيء من الارتياح، معتبرين أن “الساعة الناقصة” تمثل لحظة استعادة لتوازنهم البيولوجي الذي يرون أنه يختل طوال العام مع اعتماد التوقيت الصيفي الدائم.
جدل يتجدد مع رمضان
على منصات التواصل الاجتماعي، يتصاعد النقاش سنويًا حول أثر الساعة القانونية على الحياة اليومية. ويعبر كثيرون عن ارتياحهم للخروج إلى العمل أو المدرسة مع بزوغ الضوء الطبيعي، بدل الاستيقاظ في الظلام خلال فصل الشتاء. ويصف البعض العودة إلى توقيت غرينتش بأنها “عرس اجتماعي”، لما تمنحه من إحساس بالانسجام مع الإيقاع الطبيعي لليل والنهار.
ويرى منتقدو العمل بالتوقيت الصيفي الدائم أن رمضان هو الشهر الوحيد الذي يسمح لهم بالعيش وفق توقيت أقرب إلى الساعة الشمسية، معتبرين أن الأمر لا يتعلق فقط بالصيام، بل بجودة النوم، والتركيز، والصحة النفسية، خاصة لدى التلاميذ والعمال الذين يعانون من الصباحات الباردة والمظلمة.
نقاش علمي عالمي حول التوقيت الصيفي
هذا الجدل لا يقتصر على المغرب، بل يمتد إلى عدة دول تناقش منذ سنوات جدوى تغيير الساعة أو اعتماد التوقيت الصيفي الدائم. وتشير دراسات علمية متعددة إلى أن التحولات الزمنية المفاجئة، سواء بالتقديم أو التأخير، تؤثر على الساعة البيولوجية للإنسان (الإيقاع اليومي)، التي تنظم النوم، واليقظة، وإفراز الهرمونات، ووظائف القلب والجهاز العصبي.
وقد دعت الأكاديمية الأمريكية لطب النوم إلى اعتماد التوقيت القياسي الدائم على مدار السنة، معتبرة أنه الأكثر انسجامًا مع حركة الشمس، التي تشكل المنبه الأساسي لتنظيم الإيقاع البيولوجي. وترى الأكاديمية أن التوقيت الصيفي يفرض نوعًا من “الاختلال الاجتماعي الزمني”، حيث يصبح التوقيت القانوني متقدّمًا على التوقيت الشمسي، ما يؤدي إلى اضطراب النوم وتراجع جودة الراحة الليلية.
مخاطر صحية مثبتة
تشير أبحاث نُشرت في مجلات طبية دولية إلى أن فقدان ساعة من النوم عند تقديم الساعة في الربيع يرتبط بزيادة ملحوظة في اضطرابات النوم، وارتفاع مستويات الإجهاد، وتراجع التركيز خلال الأيام الأولى بعد التغيير. كما رصدت بعض الدراسات ارتفاعًا طفيفًا في معدلات حوادث السير وأزمات القلب في الفترة الموالية مباشرة لتحويل الساعة.
ويؤكد خبراء طب النوم أن اضطراب الإيقاع البيولوجي لا يؤثر فقط على النوم، بل يمتد إلى الصحة النفسية، حيث يرتبط بزيادة أعراض القلق والاكتئاب، خاصة لدى الفئات الحساسة مثل الأطفال والمراهقين والأشخاص الذين يعانون أصلاً من مشاكل في النوم.
وتحذر تقارير علمية من أن التعرض لضوء الصباح الطبيعي في وقت مبكر يلعب دورًا حاسمًا في ضبط الساعة الداخلية للجسم. وعندما يُؤخر شروق الشمس بالنسبة للساعة القانونية، كما يحدث مع التوقيت الصيفي في الشتاء، يتأخر إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم، ما يؤدي إلى صعوبة الاستيقاظ وإحساس دائم بالإرهاق.
بين الضرورات الاقتصادية والاعتبارات الصحية
في المقابل، يدافع أنصار التوقيت الصيفي عن فوائده الاقتصادية المفترضة، من قبيل ترشيد استهلاك الطاقة وتسهيل المعاملات التجارية مع شركاء دوليين. غير أن عدداً من الدراسات الحديثة يشكك في حجم هذه المكاسب مقارنة بالكلفة الصحية والاجتماعية المترتبة عن اضطراب الساعة البيولوجية.
وبين من يعتبر الساعة الصيفية ضرورة تنظيمية، ومن يراها عبئًا صحيًا واجتماعيًا، يستمر النقاش في المغرب كل عام مع حلول رمضان، حيث تتحول العودة المؤقتة إلى توقيت غرينتش إلى مناسبة لطرح سؤال أعمق: هل ينبغي أن يكون تدبير الزمن منسجمًا أولاً مع إيقاع الإنسان البيولوجي، أم مع اعتبارات اقتصادية وإدارية؟
ومع تصاعد الدعوات الدولية إلى مراجعة سياسات تغيير الساعة، يبدو أن الجدل حول “زيادة الساعة” لم يعد مجرد تفصيل تقني، بل قضية تمس جودة الحياة والصحة العامة، وتستحق نقاشًا علميًا ومجتمعيًا أوسع قبل تثبيت أي خيار زمني دائم.





