الرئسيةثقافة وفنون

“شكون كان يقول” يشعل غضب الرشيدية

°تحرير: جيهان مشكور

أشعلت الحلقات الأولى من مسلسل “شكون كان يقول”، المعروض ضمن السباق الرمضاني 2026 على القناة الأولى المغربية، موجة جدل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما تحوّل مشهد كوميدي إلى قضية رأي عام تعكس مأزق التمثيل الرمزي في الدراما الوطنية.

مشهد عابر… وغضب متراكم

يُظهر المشهد الذي أطلق شرارة الجدل شخصية “عبد الحق ولد الرشيدية” في صورة توحي بالفقر والبؤس، في قالب كوميدي اعتبره كثيرون مسيئاً ومكرساً لصورة نمطية قديمة تختزل مدينة الرشيدية في ثنائية “الحرمان والبخل”.. وسرعان ما انتشر مقطع الفيديو على نطاق واسع، مرفوقاً بتعليقات غاضبة من أبناء الإقليم الذين رأوا في العمل مساساً بكرامتهم وتزييفاً لواقعهم الاجتماعي، في مشهد بدا كأنه يوقظ ذاكرة جماعية ظلت طويلاً أسيرة نظرة مركزية تختزل الجنوب الشرقي في الفقر والهشاشة.

دراما تعيد إنتاج الهامش

ردود الفعل لم تتوقف عند الجمهور، بل امتدت إلى صناع الصورة أنفسهم، فقد عبّر المخرج المغربي عز العرب العلوي عن استنكاره لاستمرار حصر الرشيدية في زاوية “العزلة والفقر والكوارث”، مؤكداً أن المدينة تزخر بمؤهلات طبيعية وبشرية لا تجد طريقها إلى الشاشة..

هذا الانتقاد يعيد طرح سؤال قديم: لماذا تتحول بعض المناطق إلى مجرد “ديكور بؤس” في الدراما المغربية، بينما تُحتكر قصص النجاح والحداثة داخل جغرافيا محددة؟

اقتصاد الصورة… حين يصنع المركز روايته

تكشف هذه الواقعة خللاً في اقتصاد الصناعة التلفزية، حيث تستحوذ الأعمال الرمضانية على نسب مشاهدة تفوق 60% من الجمهور، ما يجعلها أداة قوية لصناعة الصور الذهنية، غير أن الإنتاج يظل متمركزاً في المدن الكبرى، حيث التمويل والقرار، بينما تُستدعى الجهات الأخرى كخلفيات جاهزة لمشاهد الفقر أو الطرافة الشعبية،

وهكذا تتحول الجغرافيا إلى قالب جاهز، وتصبح بعض المدن “ماركات درامية” مرتبطة بالبؤس، بغض النظر عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها.

السخرية حين تجرح

في مجتمع يعاني أصلاً من تفاوتات مجالية، يصبح للتمثيل الرمزي أثر مضاعف.. فالصورة التي تُبث في وقت الذروة الرمضانية أمام ملايين المشاهدين، لا تظل حبيسة الشاشة، بل تتسلل إلى الوعي الجماعي وتغذي نظرات دونية قد تنعكس في الواقع، حيث تشير الدراسات السوسيولوجية إلى أن تكرار الصور النمطية يخلق وصماً يصعب التخلص منه، لتُختزل جماعات كاملة في صفات سلبية تلاحقها حتى خارج المجال الفني.

حرية الإبداع… أم كسَل إبداعي؟

لا أحد ينكر أن الكوميديا تقوم على المبالغة والسخرية، لكن الفرق بين النقد الاجتماعي والإساءة الجماعية يظل دقيقاً، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام جرأة فنية أم أمام كسل إبداعي يعيد تدوير القوالب الجاهزة نفسها كل موسم رمضاني؟

نحو دراما تعكس بلداً متعدد الوجوه

تكشف هذه العاصفة الرقمية حاجة ملحّة لإعادة التفكير في تمثيل الجهات داخل الدراما المغربية، فالرشيدية، كغيرها من مناطق المغرب، ليست مجرد عنوان للهشاشة، بل فضاء غني بالإمكانات والقصص الإنسانية المتنوعة.

قد تمر هذه الزوبعة الإعلامية، لكن أثرها سيبقى تذكيراً بأن الدراما ليست مجرد ترفيه، بل مرآة للبلاد، والسؤال الذي سيظل معلقاً: هل ستختار هذه المرآة أن تعكس الواقع بكل تعقيداته، أم ستواصل عرض نسخة مشوهة منه كل رمضان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى