
من يدري؛ ربما يولد عالم بلا وحوش…
بقلم: الفلسطيني عوض عبدالفتاح
التاريخ لا يسير بخط مستقيم، ولا ينتصر العدل تلقائيًا. لكن كل منظومة هيمنة، مهما بدت جبارة، تحمل في داخلها بذور أزمتها. والسؤال ليس إن كانت هذه المنظومة ستتصدع، بل متى وكيف، وعلى يد من؟
الحروب ليست نزوة زعيم
عندما قرأنا عن الحروب العالمية وأهوالها، كنا نتساءل: كيف يمكن للبشرية، أو للنخب الحاكمة فيها، أن تُقدم على هذا القدر من القتل والتدمير؟ وعندما انشغلنا بالروايات العظيمة التي كُتبت تحذيرًا من الحروب أو تصويرًا لمآسيها، تساءلنا ببراءة: هل قرأ الحكّام تلك الأعمال؟ وهل استوعبوا العِبر التي أرادها كتّابها؟
لكن القراءة الثانية، الأعمق، كانت مختلفة. قراءة طبقية، وثقافية، وجيوبوليتيكية، تكشف أن الحروب ليست نزوة زعيم، ولا انفعال قائد، بل نتاج منظومات كاملة أنتجت قادتها وأدواتها وخياراتها. إن الحرب قرار بنيوي، يتصل بمصالح وهيمنة وتوازنات قوة، أكثر مما يتصل بأهواء أشخاص. دونالد ترامب لم يأتِ من فراغ، وبنيامين نتنياهو ليس طارئًا على الفكر الصهيوني، بل كلاهما نتاج بنية أيديولوجية ومؤسسية متوحشة.
في تلك الحقب، تصدت نخب من داخل الإمبراطوريات نفسها لجنون الحروب. صرخت، وكتبت، ونظّرت لعالم آخر. وبعد الحرب العالمية الثانية، أفضت التضحيات الهائلة والتوازنات الجديدة إلى نشوء نظام دولي يمنح حيزًا، ولو محدودًا، لحقوق الإنسان، ولمبدأ عدم الاعتداء، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
شرائح مؤثرة من المثقفين في موقع المساندة لهذه الحروب
لكن ذلك النظام وُلد في قلب العالم الغربي نفسه، العالم الذي بنى ثروته على التوسع الاستعماري وإبادة الشعوب والنهب. حين انفجر الصراع داخله على مناطق النفوذ ونهب الثروات، اضطر إلى إعادة تنظيم نفسه بقواعد أقل فجاجة، لا بدافع أخلاقي خالص، بل بحكم الضرورة التاريخية.
اليوم، إزاء العدوان الأميركي–الصهيوني على إيران، وقبله على غزة وفلسطين ولبنان وسورية، تبدو قطاعات واسعة من النخب الغربية الحاكمة، ومعها شرائح مؤثرة من المثقفين، في موقع المساندة لهذه الحروب. اعتراضاتهم، إن وُجدت، لا تمس جوهر السلوك الإمبريالي، بل تقتصر على التكتيك وكلفة المغامرة.
من هنا ترى حركات الشعوب التحررية المتضررة من الهيمنة الأميركية والغربية والصهيونية، والتي تملأ صرخاتها أرجاء الكرة الأرضية، أن ما يجري من عدوان شرس ليس دفاعًا عن وجود، ولا مسألة سلاح نووي، بل صراع بين مشروعين:
مشروع استعماري إبادي يسعى إلى تجديد هيمنته وتوسيعها على حساب شعوب الجنوب، ومشروع مضاد يحاول أن يثبت حقه في الحرية والتنمية والأمن، أو أن يفتح أفقًا لنظام دولي لا يحتكره قطب واحد.
إسرائيل تجد في اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لتنفيذ أجندتها القديمة: إسدال الستار على الحلول السياسية وشطب قضية فلسطين، إما عبر المحو الفيزيائي أو السياسي. فبعد نجاحاتها العسكرية التكتيكية، يتضخم طموحها نحو تحويل المنطقة إلى مجال نفوذ كامل لها.
تمثل إيران العقبة الأخيرة بوصفها عنصر توازن وردع
تمثل إيران، بالنسبة لها، العقبة الأخيرة، بوصفها عنصر توازن وردع، ولم تستسلم حتى بعد الضربات القاسية التي تلقاها حلفاؤها في لبنان وسورية، لكنها كانت قد انخرطت في جولات عديدة من المفاوضات لتفادي هذه الحرب، فكانت النتيجة غدرًا صارخًا.
لم يُصغِ التحالف الأميركي–الصهيوني إلى التحذيرات، من الداخل والخارج، بشأن خطورة هذه الحرب وعدم شرعيتها. لم يأخذ بجدية أن إيران ليست دولة هامشية يمكن إخضاعها بسهولة؛ فهي بثقلها الحضاري والثقافي والسكاني والجغرافي، وبنظامها الأيديولوجي الصارم، ليست فريسة سهلة.
واستخفّ التحالف بإعلان قيادتها أن الحرب ضدها مسألة وجودية، وأنها مستعدة لمديات مفتوحة من المواجهة. حتى الكثير من كارهي النظام في إيران يعتبرون العدوان عدوانًا إمبرياليًا صرفًا، وليس له علاقة لا بالديمقراطية ولا بإنقاذ الشعب الإيراني.
لا أحد يعرف مآلات هذه الحرب العدوانية، ولا كيف ومتى ستنتهي. ثمة تقديرات جدية تحذر من إمكان انزلاقها إلى مواجهة أوسع، قد تتجاوز حدود الإقليم. وفي هذه الأثناء، يُهمَّش الألم الإنساني الهائل: مئات الآلاف، بل الملايين، من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين والإيرانيين والسودانيين وغيرهم، يُدفعون إلى أتون النار، ويُطردون من بيوتهم وديارهم، ويُجوَّعون ويُعذَّبون.
من سألهم عمّا يريدون؟ من يكترث لأحزانهم، لفقدانهم، لتدمير بيوتهم وبلادهم؟
كل ذلك يُقدَّم قربانًا على مذبح احتكار النفوذ والثروات والسلطة.
إنه زمن يتغوّل فيه الوحش بلا رادع يُذكر، سوى صمود الشعوب نفسها. صمود طويل النفس، يُراكم الكلفة على المعتدي، حتى يدرك أنه تورط في مغامرة دموية تتجاوز قدرته على التحكم بمآلاتها.
وربما، من قلب هذه اللحظة الدامية، يتشكل وعي جديد في المنطقة: وعي يربط بين شعوب عربية، بما فيها شعوب الخليج التي رهنت أنظمتها خياراتها للأجندة الأميركية، وبين شعوب غير عربية مثل شعوب إيران وتركيا وعموم آسيا والعالم أجمع. وعي يُدرك أن المعركة ليست قومية ضيقة، ولا مذهبية، بل معركة كرامة وسيادة وعدالة. معركة على مصير الإنسانية كلها.
قد يفتح هذا الوعي الباب أمام تحالف واسع، يتجاوز الاصطفافات المصطنعة، ويتقدم بمبادرة لإعادة تصور عالم مختلف: عالم لا تُحتكر فيه القوة، ولا يُسمح فيه لمجرمي الحروب ومغتصبي الطفولة وتجار السلاح والمال المتوحش ومجرمي الحرب المدانين بأن يتربعوا على ناصية الحكم بلا مساءلة.
التاريخ لا يسير بخط مستقيم، ولا ينتصر العدل تلقائيًا. لكن كل منظومة هيمنة، مهما بدت جبارة، تحمل في داخلها بذور أزمتها. والسؤال ليس إن كانت هذه المنظومة ستتصدع، بل متى وكيف، وعلى يد من؟
من يدري؟ ربما من بين الركام يولد عالم أقل توحشًا.
المصدر: عرب 48





