
إيران..استنزاف القدرات أم إعادة رسم المعادلات؟
تشهد المنطقة تصعيدا عسكريا غير مسبوق بين إسرائيل وإيران، وسط اتساع رقعة الاشتباك ليشمل أهدافا ومصالح أميركية في الخليج العربي. التطورات الأخيرة تعكس انتقال المواجهة من ضربات موضعية إلى مرحلة استنزاف متبادل، مع مؤشرات على أن المعركة مرشحة للاستمرار لأسابيع، وربما لإعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي.
ضربات إسرائيلية مكثفة في طهران
أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ موجة واسعة من الغارات الجوية استهدفت مؤسسات أمنية وعسكرية في العاصمة الإيرانية طهران. ووفق البيان العسكري، شملت الضربات مقرات وزارة الأمن الداخلي ووزارة الدفاع، إضافة إلى قواعد أجهزة الأمن الداخلي التي تتهمها تل أبيب بلعب دور رئيسي في قمع الاحتجاجات.
كما طالت الغارات أكثر من عشرة مقرات تابعة لوزارة الدفاع وجهاز الاستخبارات المركزي، ومقرا لـفيلق القدس، إلى جانب مواقع رُصد فيها نشاط لعناصر إيرانية. وأكد الجيش الإسرائيلي أنه يواصل استهداف منصات إطلاق صواريخ أرض-أرض، ومواقع تصنيع الأسلحة، وأهدافا تابعة لـالحرس الثوري الإيراني.
وذكر أن الهجمات شملت إلقاء أكثر من 250 قنبلة وصاروخ على طهران في يوم واحد، ضمن عمليات قال إنها استهدفت نحو 600 موقع داخل إيران منذ بدء الحملة. وتؤكد التقديرات العسكرية الإسرائيلية أن تدمير الأهداف المحددة قد يتطلب أسبوعين على الأقل من القتال المكثف، مع الرهان على “حرية عمل جوي” ممتدة لتعظيم حجم الأضرار.
حسابات الاستنزاف والردع
رغم الخطاب التصعيدي، أقرت جهات أمنية إسرائيلية بأن إيران ستحتفظ بجزء من قدراتها الصاروخية حتى بعد انتهاء العمليات، وأن حجم الخسائر الفعلية سيتحدد بمدة المعارك وكثافة الضربات.
كما أشارت تقديرات إلى احتمال تراجع وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية خلال أيام إذا استمر استهداف منصات الإطلاق.
هذه المعطيات تكشف أن الاستراتيجية الإسرائيلية لا تقوم فقط على توجيه ضربات ردعية، بل على محاولة إضعاف البنية التحتية العسكرية الإيرانية وإرباك منظومة القيادة والسيطرة، في إطار حرب استنزاف محسوبة زمنيا.
توسيع إيراني لساحة المواجهة
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني توسيع نطاق هجماته لتشمل قواعد ومصالح أميركية في الخليج ومضيق هرمز.
وأكد أنه استهدف مواقع عسكرية أميركية في الكويت والإمارات والبحرين، مستخدما 26 طائرة مسيّرة هجومية وخمسة صواريخ باليستية.
ووفق البيان الإيراني، استُهدفت قاعدة عريفجان في الكويت على مرحلتين بواسطة 12 مسيّرة، كما ضُرب مركز القيادة والسيطرة في قاعدة المنهاد بالإمارات بست مسيّرات وخمسة صواريخ.
وأعلن أيضا تدمير منشآت متبقية للأسطول الأميركي في البحرين باستخدام مسيّرات، مشيرا إلى استمرار احتراق ناقلة الوقود “أثينا نوفا” في مضيق هرمز بعد إصابتها.
هذا التوسع في بنك الأهداف يعكس محاولة إيرانية لفرض معادلة ردع جديدة تقوم على تدويل كلفة المواجهة، وإشراك أطراف إقليمية ودولية في تبعاتها، بما يرفع سقف الضغط السياسي والعسكري على واشنطن وتل أبيب.
الجبهة الداخلية تحت الضغط
في الداخل الإسرائيلي، دوت صافرات الإنذار في مناطق واسعة، من تل أبيب الكبرى والقدس إلى حيفا والجليل والساحل وعسقلان ومنطقة البحر الميت، إضافة إلى مستوطنات “غلاف غزة”، ما يعكس استمرار التهديد الصاروخي رغم كثافة الضربات الجوية.
ويؤشر ذلك إلى أن المواجهة لم تعد محصورة في ضربات بعيدة المدى، بل باتت تمس العمقين الإسرائيلي والإيراني على حد سواء، مع ما يحمله ذلك من ضغوط على الجبهتين الداخليتين.
سيناريوهات مفتوحة
التصعيد الحالي يضع المنطقة أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة:
استمرار حرب الاستنزاف لأسابيع مع ضربات متبادلة محدودة النطاق.
اتساع رقعة المواجهة لتشمل أطرافا إقليمية أخرى بصورة مباشرة.
تدخل دولي لفرض تهدئة مؤقتة تمنع الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد.
في المحصلة، تبدو المواجهة في مرحلة إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك بين إسرائيل وإيران، مع انتقالها من “حرب الظل” إلى مواجهة أكثر علنية وجرأة، ما يرفع منسوب المخاطر على أمن الخليج وممرات الطاقة العالمية، ويجعل مستقبل التصعيد مرهونا بقدرة الأطراف على ضبط الإيقاع قبل بلوغ نقطة اللاعودة.





