الرئسيةمجتمع

المرأة المغربية: نصف التاريخ المجهول

تحرير: جيهان مشكور

في كل عام، ومع كل مناسبة مرتبطة بحقوق المرأة، يعود السؤال القديم: أين اختفت النساء من صفحات التاريخ؟ في المغرب، كما في كثير من المجتمعات، لم يكن غياب المرأة عن السرد التاريخي نتيجة لغياب دورها، بل نتيجة لانتقائية الذاكرة الجماعية نفسها..

فالتاريخ الرسمي غالبًا ما كُتب بأقلام السلطة والفقهاء والجنرالات، بينما ظلت النساء “حتى الأكثر تأثيرًا منهن” حاضرات في الهوامش، أو في الروايات الشفوية التي لا تجد طريقها بسهولة إلى الكتب المدرسية، ومع ذلك، يكفي التوقف عند بعض الأسماء لفهم حجم المفارقة: نساء ساهمن في بناء الدولة، ونشر العلم، ومقاومة الاستعمار، لكن حضورهن في الوعي العام ظل محدودًا مقارنة بتأثيرهن الحقيقي.

السلطة من خلف الستار: نساء في قلب القرار السياسي

قبل قرون طويلة من ظهور مفاهيم المشاركة السياسية والتمثيل الديمقراطي، كانت نساء مغربيات يمارسن تأثيرًا حقيقيًا في صناعة القرار. من بين أبرزهن “كنزة الأوربية”، زوجة إدريس الأول وأم إدريس الثاني، التي لعبت دورًا حاسمًا في تثبيت حكم الدولة الإدريسية في القرن الثامن الميلادي بعد وفاة زوجها، في زمن كانت فيه السلطة تُقاس بالسيف والقبيلة، استطاعت كنزة، المنحدرة من قبائل الأوربة الأمازيغية، أن تحافظ على تماسك التحالفات السياسية التي ضمنت استمرار أول دولة إسلامية في المغرب.

بعد ثلاثة قرون تقريبًا، ستظهر شخصية أخرى لا تقل تأثيرًا: “زينب النفزاوية”، زوجة يوسف بن تاشفين، مؤسس دولة المرابطين..لم تكن مجرد زوجة حاكم قوي، بل كانت مستشارة سياسية لعبت دورًا مهمًا في القرارات الاستراتيجية التي ساهمت في توحيد المغرب وامتداد نفوذ المرابطين إلى الأندلس، ومع ذلك، غالبًا ما تختزل الروايات التاريخية دورها في الجمال أو الذكاء الشخصي، وكأن التأثير السياسي للمرأة يحتاج دائمًا إلى تبرير إضافي.

العلم… حين تتحول الثروة إلى معرفة

في القرن التاسع الميلادي، ستترك “فاطمة الفهرية”بصمة مختلفة تمامًا، عندما أسست سنة 859م جامعة القرويين في فاس، التي تعتبرها منظمة اليونسكو أقدم جامعة في العالم لا تزال تشتغل حتى اليوم، ما فعلته الفهرية لم يكن مجرد عمل خيري؛ بل استثمار استراتيجي في المعرفة. فجامعة القرويين تحولت عبر القرون إلى مركز علمي جذب طلابًا وعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي وأوروبا، وأسهم في نشر علوم الفقه والرياضيات والفلك والفلسفة.

لكن paradox التاريخ جعل اسم المؤسسة أشهر من اسم مؤسستها، في حين تشير تقديرات تاريخية إلى أن القرويين كانت تستقبل آلاف الطلبة في فترات ازدهارها خلال العصور الوسطى، وهو ما يجعل مبادرة الفهرية واحدة من أهم الاستثمارات التعليمية في تاريخ العالمي.

وفي السياق نفسه، ظهرت شخصيات علمية نسائية مثل السعدية الوزانية في القرن السابع عشر، التي اشتهرت بتدريس الفقه والحديث، خصوصًا للنساء، في مجتمع كان تعليم النساء فيه محدودًا، شكلت مبادرات كهذه بذورًا أولى لتوسيع دائرة المعرفة النسائية.

من الأدب إلى المقاومة… حضور يتحدى النسيان

لم يقتصر تأثير المرأة المغربية على السياسة والعلم، ففي القرن التاسع عشر برزت أسماء مثل “عائشة البحرانية” التي شاركت في الحياة الفكرية والأدبية من خلال شعرها ورسائلها، مدافعة عن قضايا المرأة في زمن كان النقاش حول حقوقها لا يزال في بداياته.

أما خلال فترة الاستعمار الفرنسي، فقد ظهرت نساء في قلب العمل الوطني، مثل”زينب التمار” التي ساهمت في دعم المقاومة عبر التمويل ونقل الرسائل السرية، قبل أن تُعتقل بسبب نشاطها.

القرن العشرون… حين خرجت النساء إلى الواجهة

مع بداية القرن العشرين، بدأت المرأة المغربية تفرض حضورها بشكل أكثر وضوحًا في المجال العام، فقد كانت “مليكة الفاسي”المرأة الوحيدة التي وقعت على وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، كما ساهمت في تأسيس جمعيات تهدف إلى تعليم الفتيات في وقت لم تكن فيه نسبة تمدرس البنات تتجاوز بضعة في المائة.. وفي مجال مختلف تمامًا، صنعت “ثريا الشاوي” حدثًا تاريخيًا عندما أصبحت سنة 1951 أول طيارة مغربية وعربية تحصل على رخصة الطيران وهي في السادسة عشرة فقط، في زمن كانت فيه الطائرات نفسها رمزًا للقوة الاستعمارية.

حاضر يستند إلى ذاكرة ناقصة

اليوم، تواصل نساء مغربيات كتابة فصول جديدة من هذا التاريخ، كما فعلت البطلة الأولمبية “نوال المتوكل” عندما أصبحت أول امرأة عربية وأفريقية تفوز بميدالية ذهبية في الألعاب الأولمبية سنة 1984، لكن المفارقة تبقى قائمة: المجتمع يحتفي بالإنجازات النسائية، بينما يظل تاريخها غير مكتمل في الكتب والبرامج التعليمية.. ربما المشكلة ليست في غياب النساء عن التاريخ، بل في الطريقة التي كُتب بها هذا التاريخ نفسه… تاريخ يضيء نصف الصورة، ويترك النصف الآخر في الظل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى