الرئسيةتكنولوجيامجتمع

رمضان…الخوارزميات تواكب الصيام

لم تعد خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي مجرد أنظمة تقنية ترتب المنشورات وفق عدد الإعجابات أو سرعة التفاعل، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منظومات ذكاء اصطناعي تحاول قراءة المزاج الجماعي للمجتمعات.. ويأتي شهر رمضان كل عام كاختبار حقيقي لهذه الأنظمة، إذ يشهد العالم الإسلامي خلاله انقلاباً شبه كامل في إيقاع الحياة اليومية، وهو ما ينعكس مباشرة على ما يمكن تسميته بـ”الساعة البيولوجية الرقمية” للمستخدمين، في تحولٍ يفرض على المنصات إعادة ضبط آليات العرض والاستهداف كي تواكب نمط استخدام مختلف تماماً عن بقية أشهر السنة.

إيقاع رقمي جديد بين السحور والإفطار

ومع حلول رمضان، تتخلى الخوارزميات عن نموذج الذروة المسائية التقليدية الذي يهيمن على بقية العام، وتتبنى توزيعاً زمنياً أكثر تعقيداً للتفاعل، فبيانات تقارير “Data.ai” و”Think with Google” تشير إلى أن النشاط الرقمي يبلغ إحدى أعلى ذرواته بين الثانية والخامسة صباحاً، وهي الفترة التي يطلق عليها خبراء التسويق الرقمي “السحور الرقمي”، وخلال هذه الساعات ترفع منصات مثل تيك توك وإنستغرام من أولوية البث المباشر والمحتوى التفاعلي، باعتباره مؤشراً على تفاعل حي وفوري بين المستخدمين.

وقبيل موعد الإفطار بساعتين تقريباً، يتغير سلوك المستخدم مرة أخرى، ففي هذه الفترة يرتفع الطلب على المحتوى العملي المرتبط بالحياة اليومية، مثل وصفات الطبخ ونصائح إعداد موائد الإفطار، وتشير البيانات إلى أن ظهور هذا النوع من الفيديوهات قد يرتفع بنحو 40% في خوارزميات الاكتشاف، بينما يصبح معيار النجاح الحقيقي هو عدد مرات حفظ الفيديو للرجوع إليه لاحقاً، وليس مجرد الإعجابات السرعة.

الخوارزميات وفهم المزاج الرمضاني

هذا ولم تعد المنصات تعتمد فقط على الكلمات المفتاحية لفهم المحتوى المرتبط برمضان، بل أصبحت تستخدم نماذج لغوية وبصرية متقدمة لتحليل ما يمكن وصفه بالمزاج الموسمي، فعندما ترصد الخوارزمية صور الزينة الرمضانية أو مشاهد التجمعات العائلية أو الأجواء الروحانية، تقوم بإدراج الحساب ضمن تصنيف موسمي مؤقت، ما يمنح منشوراته فرصة وصول أكبر داخل مجتمعات اهتمام متشابهة.

في المقابل تحاول المنصات تقليل المحتوى الإعلاني أو الترويجي الذي قد يبدو منفصلاً عن سياق الشهر، في محاولة للحفاظ على تجربة مستخدم أكثر انسجاماً مع حساسية الأجواء الرمضانية.

اقتصاد العيد… عندما تتحول الخوارزمية إلى بائع

اقتصادياً، يمثل رمضان أحد أهم مواسم التجارة الإلكترونية في العالم العربي والإسلامي، وتشير تقارير “Meta for Business” إلى أن الخوارزميات تبدأ منذ الأيام الأولى للشهر في توجيه المستخدمين نحو محتوى الإلهام المرتبط بتزيين المنازل أو إعداد موائد الإفطار، قبل أن تنتقل تدريجياً خلال العشر الأواخر إلى محتوى أكثر مباشرة يركز على شراء الملابس والهدايا استعداداً للعيد.

وفي هذه المرحلة تعمل المنصات على تقليل ما يسميه خبراء التقنية “الاحتكاك الرقمي”، إذ تظهر المنتجات داخل التطبيق مع خيارات شراء فورية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لتحويل لحظة التصفح العابر إلى عملية شراء فعلية.

وسط كل ذلك، تبدو خوارزميات عام 2026 أقل شبهاً بالمعادلات الجامدة وأكثر قرباً من سلوك البشر أنفسهم، فهي تراقب كيف ينام المستخدم ويستيقظ ويصوم ويفطر، ثم تعيد ترتيب العالم الرقمي وفق هذا الإيقاع الجديد. وفي النهاية، لم يعد النجاح على المنصات خلال رمضان مجرد مسألة نشر متكرر، بل أصبح أقرب إلى فن قراءة مزاج الخوارزمية التي تبدو وكأنها تعيش الشهر الكريم مع مستخدميها لحظة بلحظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى