
في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الرقمي والتشريعات المنظمة لقطاع الخدمات العابرة للحدود، يواجه قطاع مراكز النداء بالمغرب تحديًا جديدًا قد تكون له انعكاسات مباشرة على سوق الشغل.
السوق الفرنسية تُعد من أبرز شركائه
فالقانون الفرنسي الجديد المتعلق بتنظيم المكالمات الهاتفية التسويقية يضع هذا النشاط أمام واقع مختلف، يهدد جزءًا مهمًا من الطلب الخارجي الذي يعتمد عليه القطاع، خاصة وأن السوق الفرنسية تُعد من أبرز شركائه.
هذا التحول يثير مخاوف بشأن مستقبل آلاف الوظائف، ويطرح في المقابل ضرورة تسريع تنويع الأسواق والانتقال نحو خدمات أكثر تطورًا وقيمة مضافة.
وفي هذا السياق، كشف وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، أن ما بين 40 و50 ألف منصب شغل في قطاع مراكز النداء بالمغرب قد تكون مهددة بالفقدان نتيجة قانون فرنسي جديد يمنع إجراء المكالمات الهاتفية التسويقية للمواطنين الذين لم يمنحوا موافقة صريحة مسبقة على تلقيها.
وصف السكوري قطاع مراكز النداء في المغرب بأنه قطاع “حيوي
وجاء هذا المعطى في جواب كتابي للوزير على سؤال وجهته النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، فاطمة الزهراء باتا، حول وضعية العاملين في هذا القطاع.
ووصف السكوري قطاع مراكز النداء في المغرب بأنه قطاع “حيوي”، مشيرًا إلى أن حجم الاستثمارات فيه بلغ نحو 1.3 مليار درهم خلال سنة 2023، ما يجعله من المجالات الجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر. كما أوضح أن القطاع يساهم بما يتراوح بين 10 و12 مليار درهم سنويًا في الناتج الداخلي الخام، وهو ما يعكس أهميته الاقتصادية.
وبخصوص فرص الشغل، أكد الوزير أن القطاع يوفر حوالي 120 ألف منصب شغل مباشر، أغلبها لفائدة الشباب وحاملي الشهادات، إضافة إلى ما يقارب 50 ألف منصب شغل غير مباشر في أنشطة مرتبطة به مثل النقل والخدمات اللوجستية.
قانون فرنسي يفرض قيودًا على الاتصالات غير المرغوب فيها
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه هذا النشاط، بحسب المسؤول الحكومي، يتمثل في القانون الفرنسي الجديد الذي لا يقتصر فقط على حظر التسويق الهاتفي، بل يفرض أيضًا قيودًا على الاتصالات غير المرغوب فيها، وهو ما قد يؤثر على نحو 80 في المائة من حجم معاملات القطاع.
وكان مجلس الشيوخ الفرنسي قد صادق بشكل نهائي في 21 ماي 2025 على هذا القانون، الذي يمنع الشركات من إجراء مكالمات تسويقية هاتفية، سواء بشكل مباشر أو عبر شركات متعاقدة، لأي شخص لم يبدِ مسبقًا موافقة واضحة على تلقيها، على أن يدخل هذا الإجراء حيز التنفيذ ابتداءً من غشت 2026.
التقديرات الحالية تفيد بأن ما بين 40 و50 ألف وظيفة قد تصبح مهددة
وأشار السكوري إلى أن التقديرات الحالية تفيد بأن ما بين 40 و50 ألف وظيفة قد تصبح مهددة، خاصة في صفوف المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تمثل أكثر من 60 في المائة من نسيج القطاع، ما يستدعي تدخلاً سريعًا لتخفيف الآثار المحتملة على سوق الشغل.
وكانت النائبة البرلمانية قد استفسرت الحكومة أيضًا عن الإجراءات المزمع اتخاذها لضبط القطاع وإعداد قاعدة بيانات دقيقة حوله، إضافة إلى مراجعة الإطار التشريعي المنظم لنشاط مراكز النداء بما يضمن احترام معايير العمل اللائق وحماية الحقوق الاجتماعية للعاملين، فضلًا عن التدابير الرامية إلى تحسين الأجور وظروف العمل في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
الحكومة شرعت في إعداد خطة متعددة المحاور للحد من الآثار السلبية
وفي معرض رده، أوضح الوزير أن الحكومة شرعت في إعداد خطة متعددة المحاور للحد من الآثار السلبية المحتملة وضمان استدامة القطاع، في إطار خارطة الطريق الجديدة للنهوض بالتشغيل.
وتتضمن هذه الخطة، وفق ما كشفه المسؤول الحكومي، تشجيع شركات مراكز النداء على التوجه نحو أسواق جديدة خارج فرنسا، خاصة في أوروبا مثل ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، إضافة إلى أسواق إفريقيا وأمريكا اللاتينية. كما تراهن الحكومة على الانتقال من خدمات التسويق الهاتفي التقليدية إلى خدمات ذات قيمة مضافة أعلى، من قبيل الدعم التقني، والخدمات اللوجستية الرقمية، والاستشارات والدراسات السوقية، وإدارة علاقات الزبناء والخدمات المؤتمتة.




