
عصيد يدافع عن “بنات للا منانة” ويرد على البيجيدي
أثار مسلسل “بنات للا منانة”، الذي يعرض خلال الموسم الرمضاني، نقاشا واسعا في الأوساط الثقافية والسياسية، بعد الانتقادات التي وجهتها سعاد بوسيف، رئيسة منظمة نساء حزب العدالة والتنمية، معتبرة أن العمل الدرامي يساهم في ما وصفته بـ“التطبيع مع تفكك الأسرة المغربية”.
غير أن هذا الموقف سرعان ما فتح الباب أمام ردود وانتقادات مضادة، كان أبرزها تدوينة للكاتب أحمد عصيد، الذي اعتبر أن قراءة العمل من زاوية أخلاقية ضيقة تغفل الأبعاد الاجتماعية والفكرية التي يعالجها المسلسل.
الدراما بين الفن والوصاية الأخلاقية
يرى عصيد أن الانتقادات التي يوجهها التيار الديني المحافظ للأعمال الدرامية التي تتناول قضايا المرأة تعكس، في العمق، خوفًا من إعادة ترتيب الأدوار داخل الأسرة والمجتمع. فحين تظهر المرأة في الدراما كفاعلة رئيسية أو كمعيلة لأسرتها، يعتبر ذلك – بحسب هذا التيار – مساسًا بالنموذج التقليدي للعلاقات الأسرية.
لكن هذه القراءة، حسب عصيد، تتجاهل أن الدراما التلفزيونية ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل فضاء للنقاش المجتمعي يعكس تحولات الواقع المغربي وتحدياته. وبالتالي فإن تصوير المرأة في أوضاع اجتماعية مختلفة، بما فيها دور المعيلة أو صاحبة القرار، هو جزء من محاولة فهم التحولات التي يعرفها المجتمع، وليس بالضرورة دعوة لتفكيك الأسرة.
موضوع التطرف في قلب المسلسل
يشير عصيد إلى أن أحد الجوانب التي لم تحظ بالاهتمام الكافي في الانتقادات الموجهة للمسلسل، هو أن العمل يتناول قضية التطرف الديني من خلال قصة فتاة وقعت ضحية التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، قبل أن تعود إلى مجتمعها وهي تحمل تصورات متشددة وتكفر محيطها.
ويعتبر أن معالجة هذا الموضوع في الدراما المغربية خطوة مهمة، لأنها تسلط الضوء على خطر الفكر المتطرف وعلى الآثار الاجتماعية والنفسية التي يخلفها، وفي الوقت نفسه تقدم نموذجًا للتدين المغربي المعروف بوسطيته واعتداله.
سؤال المرأة والسلطة داخل الأسرة
وفي تحليله للموقف الرافض لصورة المرأة القوية أو المستقلة في الدراما، يطرح عصيد سؤالًا لافتًا: كيف يمكن أن تعارض امرأة صورة المرأة المعيلة أو المدافعة عن حقوقها الأساسية؟
للإجابة عن هذا السؤال، يستحضر مفهوم “العبودية الإرادية” الذي صاغه المفكر الفرنسي إتيان دو لابويسي في القرن السادس عشر. ويقصد به أن الأفراد قد يقبلون الخضوع لسلطة معينة نتيجة التربية الاجتماعية التي تعيد إنتاج نفس أنماط الهيمنة.
وبحسب هذا التحليل، فإن التنشئة القائمة على ترسيخ مفاهيم القوامة والطاعة قد تدفع بعض النساء إلى الدفاع عن النظام الأبوي نفسه، حتى عندما يكون ذلك على حساب حريتهن وحقوقهن.
جدل يتجاوز المسلسل
النقاش الذي أثاره “بنات للا منانة” يكشف أن الدراما لم تعد مجرد إنتاج تلفزيوني عابر، بل أصبحت مرآة لصراع القيم داخل المجتمع المغربي: بين رؤى محافظة ترى في التحولات الاجتماعية تهديدًا للهوية، وأخرى تعتبر أن الفن يجب أن يطرح الأسئلة الصعبة ويواكب التغيرات.
وفي النهاية، قد لا يكون الجدل حول مسلسل بعينه، بل حول من يملك حق تعريف صورة المرأة ودورها في المجتمع: هل هي القوالب التقليدية الثابتة، أم الواقع المتغير الذي تفرضه التحولات الاقتصادية والاجتماعية؟
وبين هذا وذاك، تبقى الدراما مساحة مفتوحة للنقاش، تعكس حيوية المجتمع وتعدد رؤاه، أكثر مما تعكس صراعًا بسيطًا حول عمل فني رمضاني





