
الوثائقيّ الشعري وسينما الهامش: الأنثروبولوجيا البصرية لفيلم “الحال” للمعنوني
بقلم: الكاتب والإعلامي عبدالعزيز كوكاس
يعتبر “الحال” للمخرج المغربي أحمد المعنوني عملًا سينمائيًا يتقاطع فيه الوثائقيّ والشعري مع سينما الهامش والأنثروبولوجيا البصرية.
يصاحب الفيلم مجموعة ناس الغيوان كظاهرة موسيقية، ويبني من خلالها أرشيفًا حسّيًا وتجريبيًا للهامش الحضري المنفلت في مغرب ما بعد الاستقلال.
ومن خلال جمالية القرب (الكاميرا المحمولة، الاشتغال على الجسد والصوت وتفكيك الفضاء المديني)، يتحوّل المنجز الفيلمي من وثيقة تسجيلية إلى تجربة أخلاقية وجمالية في تمثيل المهمَّش والمقصي من دائرة المركز. بالاستناد إلى تصنيفات بيل نيكولز لأنماط الوثائقي، وإلى مفهوم الأنثروبولوجيا التشاركية عند جان روش، وإلى نقاشات الوثائقي الشعري المعاصرة، الذي صنع به المعنوني أرشيفًا عاطفيًا وثقافيًا لذاكرة سفليّة، حيث الغناء شكل من أشكال المقاومة الرمزية والتطهير الجماعي بمفهومه الأرسطي.
“الحال” أبعد من التوثيق الموسيقي
صدر فيلم “الحال” سنة 1981 في سياق سينمائي مغربي كان يبحث عن لغته الخاصة خارج القوالب السردية الكلاسيكية. وعلى خلاف المقاربات التي تختزل الفيلم في كونه وثائقيا عن فرقة ناس الغيوان، يبدو لي أن المعنوني يقترح عملًا يتجاوز التوثيق إلى بناء رؤية سينمائية للوجود الهامشي داخل المدينة المغربية.
فلا تكتفي الكاميرا بتسجيل الأداء الموسيقي بقدر ما ترسم الفضاءات الهشّة، والصوت الخارج من أعماق القلق الاجتماعي. “حال” ناس الغيوان هو حال المغرب الشعبي نفسه: حالُ العطب، الفقد، الغضب المكبوت والبحث عن الخلاص عبر الفن..

من هذا المنظور، يمكن قراءة فيلم “الحال” بوصفه نصًا بصريًا ثقافيًا يشتغل على تمثيل الهامش بوصفه موضوعًا للفرجة من جهة، وموقعا لحيوية الذاكرة من جهة أخرى.
نحس أننا نعيش داخل صدع اجتماعي: فقر، اغتراب، ذاكرة شعبية مجروحة.. فالعنوان نفسه ليس بريئًا. في التراث الصوفي يشير “الحال” إلى مقام الحضرة الإلاهية، تجربة روحية مكثّفة تُعاش بشكل وجودي.
يستثمر المعنوني هذا البعد ليقترح سينما “الحال” بمعناه الصوفي – الوجودي: لحظة توهّج داخلي، مقام روحي وارتباك بين الجسد والصوت والمدينة، حيث يتحوّل الغناء إلى فعل وجودي لا مجرد ترف فني. إنهم يغنون لأنهم لا يملكون إلا الصوت للمقاومة الرمزية لحفظ وهج الروح.
الوثائقيّ الشعري وسينما الهامش: من الإخبار إلى الإحساس
يُدرج بيل نيكولزNichols “النمط الشعري” ضمن أنماط الفيلم الوثائقي التي تفضّل الإيحاء والمزاج العام والبناء الإيقاعي على السرد التفسيري المباشر، لا نجد في فيلم “الحال” خطابًا تفسيريًا أو تعليقًا صوتيًا يشرح الواقع الاجتماعي، بقدر ما نجد بناءً حسّيًا قائمًا على الإيقاع، تجاور الصور وكثافة الصوت. حيث يتحوّل الوثائقي إلى كتابة شعرية بالصورة والصوت وينتَج الدلالة عبر الأثر العاطفي.
تُعنى سينما الهامش بتمثيل الفئات المهمَّشة خارج منطق الاستعراض والوصم. لذلك نلاحظ أن المعنوني لا يقدّم ناس الغيوان بوصف أعضائها “نجومًا”، بل بوصفهم أبناء الهامش الحضري يتقاطع مسارهم الفني مع الهشاشة الاجتماعية. تقترب الكاميرا لتُظهر الهشاشة دون أن تُشيّئها. تتبدّى أخلاقيات الصورة بوصفها موقفًا من الواقع أكثر من كونها مجرد اختيار جمالي.

الأنثروبولوجيا البصرية: من الملاحظة إلى المشاركة
يستحضر فيلم “الحال” مفهوم الأنثروبولوجيا التشاركية كما بلوره جان روش، حيث لا يقف المخرج في موقع المراقب الخارجي، إنه ينخرط في الفعل الثقافي الذي يصوّره. تهتزّ الكاميرا مع الإيقاع، تقترب من الوجوه، وتدخل في طقس الأداء الغيواني. لا تُنتَج المعرفة هنا عبر مسافة علمية باردة، ولكن عبر تورّط حسّي يجعل من السينما ممارسة أنثروبولوجية بديلة.
يحتلّ الصوت موقعًا مركزيًا في إنتاج الدلالة. فالغناء في الفيلم ليس وسيطًا جماليًا فقط، بقدر ما يغدو تعبيرا عن ممارسة وجودية: صراخ جماعي، نواح واستحضار لذاكرة شفوية تنتمي إلى تقاليد كناوة والحلقة والإنشاد الشعبي. وفقًا لتحليل ميشيل شيون للعلاقة بين الصوت والصورة، فإن هيمنة الصوت في الفيلم تُربك مركزية الصورة وتعيد ترتيب الحواس داخل التجربة السينمائية.
هكذا يصبح الصوت خطابًا مضادًا للسرديات الرسمية، ويغدو الجسد حاملاً سياسيًا لوشم المعنى. يصوّر المعنوني الأداء الغيواني كطقس، قريب من الحضرة الصوفية، حيث يصبح الغناء شكلًا من أشكال التطهير الجماعي(catharsis)
السينما لا توثّق طقس الحضرة فقط، بل تشارك فيه: الكاميرا تهتز، تقترب من الوجوه، تتورّط في العرق والتعب والأنفاس الصاعدة من الأجساد المرهقة، المتشنجة، الراقصة بلا زخرفة. الأصوات الخارجة من أعماق الحنجرة لا من استوديوهات مصقولة. والإيقاع كضرب طبل على جرح جماعي.
المدينة كهندسة شعورية للهامش
تظهر الدار البيضاء في “الحال” كمدينة متشظّية تنتج الهامش وتشكّل الفضاءات الداخلية الضيقة، وأماكن البروفات، والمسارح الشعبية، جغرافيا شعورية للتيه الحضري. يمكن استحضار مفهوم “الفضاء الثالث” عند إدوارد سوجا لفهم هذا التمثيل: فضاء معيش يتقاطع فيه الواقعي بالمتخيَّل ويقاوم السرديات الرسمية للمدينة.
يبدو المكان ذاته ليس محايدًا، فهو شخصية خفية في الفيلم، مدينة الدار البيضاء بوصفها ماكينة لإنتاج الهامش ولاحتضانه: أزقّة ضيقة، فضاءات فقيرة، مسارح شعبية. والغيوان أبناء المدينة المنبوذون، الذين يصنعون جمالهم من قبح الواقع. فلا تبحث الكاميرا عن جماليات العمران، يقودها المعنوني لرضد جماليات التشقق الاجتماعي.

لا يشتغل فيلم “الحال” كوثيقة تاريخية بالمعنى الوضعي، بل كأرشيف عاطفي لذاكرة المهمَّشين. يحفظ آثار القلق والتعب، والرغبة في الكلام حين يكون الكلام مقيدا ومحاصرًا. لذا يقترب الفيلم من تصور أنيت كون للذاكرة الثقافية بوصفها ممارسة عاطفية ومجسّدة، لا مجرد حفظ للأحداث. تُنجز السينما هنا فعل “حفظ” ما يظل بعيدا عن الأرشيفات الرسمية والمؤسسية، حفظ الانفعال، الإحساس وتعبيرات الروح العميقة.
أخلاقيات الحضور واستمرارية الأثر
تكمن راهنية فيلم “الحال” في كونه يؤسّس لأخلاقيات حضور سينمائي مع الهامش، إنه فيلم يذكّر بأن الوثائقيّ الشعري والأنثروبولوجيا البصرية يمكن أن يلتقيا لإنتاج معرفة حسّية بالواقع الاجتماعي، معرفة لا تُشيّئ المهمَّش، بل تُنصت إليه.
الذاكرة الشفوية، الغناء، الحلقة، والهامش الحضري، وبذلك، تظلّ تحفة المعنوني عملًا مرجعيًا في السينما المغربية، ليس فقط لما يوثّقه، بل لكيفية ما يراه ويصغي إليه.
إنه فيلم حيّ لأنه لا ينتمي إلى زمنه فقط، لأن المعنوني يعي أن الفن لا يغيّر العالم مباشرة، لكنه يمنح المهمّشين صوتًا، حضورًا، وذاكرة. وهذا، في ذاته، فعل مقاومة طويل النفس.






