
لماذا يغيب التاريخ عن المسلسلات المغربية؟
قال الكاتب أنور صابر في مقال نشره على موقع الجزيرة نت إن الساحة الفنية في المغرب تعاني من غياب واضح للدراما التاريخية، معتبرا أن المتابع لا يكاد يجد نماذج درامية قادرة على خلق علاقة جمالية بين الماضي والحاضر داخل وعي المشاهد.
لماذا يهرب كتاب السيناريو في المغرب من الدراما التاريخية
وأكد في مقاله المعنون «لماذا يهرب كتاب السيناريو في المغرب من الدراما التاريخية؟» أن هذا الغياب يعكس حالة من القحط الفني التي تطبع الشاشة الصغيرة، ويكشف عجزها عن بلورة مشروع بصري جديد يفتح أفقا فنيا مختلفا في المسلسلات الدرامية، خاصة في بلد مثل المغرب الذي يمتلك تاريخا عريقا ومعالم أثرية ومعمارية تعكس تعاقب حضارات متعددة عبر الزمن.
وأشار الكاتب في السياق ذاته إلى أن هذا التاريخ الحي يفترض أن ينعكس بصريا في الإنتاجات الدرامية، لا سيما خلال شهر رمضان الذي يشهد عادة كثافة في عرض المسلسلات.
غير أن غياب كتاب سيناريو يمتلكون مشاريع درامية قوية، إضافة إلى رهان شركات الإنتاج على أعمال ترفيهية ذات طابع استهلاكي يومي، يجعل الدراما التاريخية تتراجع إلى الخلف، مفسحة المجال أمام أنماط درامية أخرى أكثر انتشاراً.
غياب نقاد متخصصين في الدراما التلفزيونية بالمغرب
وأوضح صابر أنه عند تتبع تاريخ الشاشة المغربية يمكن العثور على أعمال تستلهم الذاكرة أو تستحضر الماضي، غير أنه يصعب تصنيفها ضمن الدراما التاريخية الحقيقية إذا ما قورنت بنماذج معروفة في الدراما التركية أو السورية أو الفرنسية.
كما أكد أن غياب نقاد متخصصين في الدراما التلفزيونية بالمغرب يسهم في ترسيخ أفكار خاطئة حول هذا النوع الفني، إذ يتم تداول بعض التصورات على أنها حقائق مسلم بها دون إخضاعها للنقاش النقدي.
أسئلة تتكرر كل عام خاصة خلال شهر رمضان
وفي معرض حديثه عن الأسباب الكامنة وراء هذا الغياب، طرح الكاتب جملة من الأسئلة الجوهرية، متسائلاً عما إذا كان الأمر مرتبطاً بضعف الإمكانات المادية التي تجعل المؤسسات الإنتاجية تتجنب خوض تجربة الدراما التاريخية، أم أن المشكلة تعود إلى هشاشة البنية الإبداعية التي تجعل العديد من كتاب السيناريو غير قادرين على كتابة مسلسل تاريخي يتطلب مقاربة فنية دقيقة وبحثاً معمقاً في تاريخ الحضارة المغربية.
وأكد أن هذه الأسئلة تتكرر كل عام، خاصة خلال شهر رمضان، حين يجد المشاهد نفسه أمام وفرة من الأعمال الدرامية التي تتناول الواقع الاجتماعي، مقابل غياب ملحوظ لمسلسلات تستوحي الذاكرة التاريخية للمغرب وتقدمها في قالب جمالي ودرامي.
هذا الغياب لا يعني نقصاً في الكفاءات التمثيلية المغربية

وفي المقابل، أشار الكاتب إلى أن هذا الغياب لا يعني نقصاً في الكفاءات التمثيلية المغربية، إذ نجح عدد من الممثلين المغاربة في أداء أدوار تاريخية مميزة داخل مسلسلات عربية، من بينهم الممثل ربيع القاطي الذي جسد شخصية سليمان باشا الباروني في مسلسل الزعيمان الليبي سنة 2020 من إخراج أسامة رزق.
وقد أكد الكاتب أن القاطي تمكن من تجسيد هذه الشخصية المركبة بنجاح، رغم ما تتطلبه من أبعاد نفسية واجتماعية وسياسية ومعرفية، وهو ما أهله لنيل جائزة جائزة سبتيموس كأفضل ممثل.
وأوضح صابر أن الممثل في الأعمال التاريخية لا يكتفي بأداء الدور فحسب، بل يضطر إلى البحث في المصادر والمراجع المرتبطة بالشخصية التاريخية من أجل تقديم صورة دقيقة عنها، وهو ما يتطلب وقتاً طويلاً من التوثيق والبحث والكتابة.
التسرع في كتابة الأعمال التاريخية قد يؤدي إلى إضعاف الصورة الدرامية
وأكد أن هذه العملية المعقدة تشكل أحد الأسباب التي تدفع بعض كتاب السيناريو والمخرجين إلى تجنب هذا النوع من الدراما، نظراً لما يحتاجه من جهد ووقت كبيرين.
وفي السياق ذاته، أشار الكاتب إلى أن التسرع في كتابة الأعمال التاريخية قد يؤدي إلى إضعاف الصورة الدرامية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأحداث مفصلية في التاريخ السياسي للبلاد، حيث تصبح الدقة في التوثيق والمعالجة شرطاً أساسياً لإنجاح العمل.

كما أوضح أن بعض الأعمال المغربية المصنفة ضمن خانة “الدراما التاريخية” لا تتجاوز في الواقع مجرد استحضار شكلي للماضي من خلال الأزياء والديكور وطريقة الكلام، دون أن تستند إلى معرفة حقيقية بأسس الدراما التاريخية. فالعناصر الأساسية لهذا النوع الدرامي، مثل الحدث التاريخي والزمن والمكان، غالباً ما تكون غائبة أو ضعيفة الحضور، مما يجعل هذه الأعمال تتسم بخفة في التعامل مع التاريخ.
التمييز بين نوعين من الأعمال التي يعتقد المشاهد أنها تاريخية
وأكد الكاتب أنه عند تتبع الإنتاج التلفزيوني المغربي يمكن التمييز بين نوعين من الأعمال التي يعتقد المشاهد أنها تاريخية. فهناك أولاً المسلسلات التراثية التي تستلهم ملامحها من الموروث الشعبي المغربي، مثل مسلسلات حديدان ودار الضمانة وعين الكبريت.
غير أن هذه الأعمال، بحسب صابر، ليست تاريخية بالمعنى الدقيق، بل تعتمد على حكايات وقصص شعبية متداولة في المتخيل الشعبي، حيث يعمل المخرج على تحويلها من حكايات شفوية إلى تخييل بصري درامي.
وختم الكاتب بالتأكيد على أن اعتماد هذه الأعمال على أجواء الماضي والديكور التراثي قد يوحي للمشاهد بأنها دراما تاريخية، إلا أن حقيقتها تظل أقرب إلى الدراما التراثية المستلهمة من الذاكرة الشعبية، وليس إلى الدراما التاريخية التي تقوم على إعادة بناء أحداث وشخصيات حقيقية ضمن سياق درامي دقيق ومدروس.
أزمة الدراما التاريخية في المغرب لا ترتبط بعامل واحد

يمكن استخلاص خلاصة تحليلية تنطلق من روح المقال في كون أزمة الدراما التاريخية في المغرب لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الإبداعية والإنتاجية والنقدية.
فالمقال يلمح إلى أن التلفزيون المغربي لم ينجح بعد في تحويل الذاكرة التاريخية الغنية للمغرب إلى مشروع درامي بصري متكامل، رغم ما يزخر به البلد من أحداث تاريخية وشخصيات بارزة ومعالم حضارية قادرة على تشكيل مادة سردية خصبة للأعمال الدرامية.
وتكشف القراءة التحليلية للمقال أن أحد أبرز أسباب هذا الغياب يتمثل في ضعف البنية الكتابية للسيناريو، حيث يتطلب العمل التاريخي جهداً بحثياً وتوثيقياً عميقاً ووقتاً طويلاً في الكتابة والإعداد، وهو ما يدفع كثيراً من كتاب السيناريو إلى تجنب هذا النوع من المشاريع لصالح أعمال اجتماعية أو كوميدية أسرع إنتاجاً وأكثر قابلية للتسويق التلفزيوني.
اختيارات شركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية التي تميل إلى الأعمال ذات الطابع الترفيهي والاستهلاكي
كما يبرز عامل آخر يتمثل في اختيارات شركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية التي تميل إلى الأعمال ذات الطابع الترفيهي والاستهلاكي، خاصة خلال موسم رمضان، باعتبارها أقل تكلفة وأكثر ضماناً لجذب الجمهور والإعلانات. هذا التوجه يجعل الدراما التاريخية، التي تحتاج إلى ميزانيات أكبر واشتغال تقني وفني معقد، خارج دائرة الاهتمام الإنتاجي.
ومن جهة أخرى، يشير المقال ضمنياً إلى غياب نقد متخصص في الدراما التلفزيونية قادر على توجيه النقاش الفني وتقييم الإنتاجات بعمق معرفي، وهو ما يساهم في استمرار الخلط بين الدراما التاريخية والدراما التراثية التي تكتفي باستحضار أجواء الماضي دون الاشتغال الحقيقي على الحدث التاريخي وشروطه الدرامية.
غياب رؤية إنتاجية وثقافية واضحة تجعل من التاريخ المغربي مادة درامية
وعلى الرغم من ذلك، يلمح المقال إلى مفارقة لافتة، وهي أن الكفاءات الفنية المغربية موجودة، بدليل نجاح ممثلين مغاربة في تجسيد شخصيات تاريخية داخل أعمال عربية، من بينهم ربيع القاطي في مسلسل الزعيمان. وهذا يعني أن المشكلة لا تكمن في غياب الطاقات الفنية، بقدر ما ترتبط بغياب رؤية إنتاجية وثقافية واضحة تجعل من التاريخ المغربي مادة درامية قادرة على المنافسة إقليمياً.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن تطوير الدراما التاريخية في المغرب يتطلب مشروعاً ثقافيا وفنيا متكاملا يقوم على دعم البحث والكتابة الدرامية، وتشجيع الإنتاجات الكبرى، وإعادة الاعتبار للذاكرة التاريخية بوصفها موردا إبداعيا قادرا على بناء سرديات بصرية تعزز علاقة الجمهور بماضيه وتفتح آفاقا جديدة للصناعة الدرامية المغربية.
المصدر: الجزيرة نيت بتصرف





