
إيكونوميست: الحرب تعزز نفوذ العسكريين بإيران
عززت الحرب ضد إيران موقع الحرس الثوري الإيراني بشكل غير مسبوق، إذ تحول من مجرد قوة عسكرية موازية إلى فاعل مركزي يمسك بمفاصل الدولة ويقود مسار الحرب، وفق ما أكدت مجلة The Economist في تقرير حديث.
من يحكم إيران فعليا الان
وتطرح المجلة تساؤلاً محورياً حول من يحكم إيران فعليا في ظل هذا التحول، خاصة مع تزايد الحديث عن إمكانية استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وتبرز الإشكالية أكثر في ظل غموض الجهة القادرة على إبرام اتفاق مع واشنطن وضمان استمراريته، وهو ما يجعل المشهد السياسي الإيراني أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق، تشير The Economist إلى أن الحرس الثوري، الذي يضم نحو 190 ألف عنصر، بات في قلب منظومة الحكم، حيث لا يقتصر دوره على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد إلى توجيه القرار السياسي والاستراتيجي داخل البلاد.
ويعزز هذا التوجه غياب القيادة الدينية التقليدية، في إشارة إلى اختفاء المرشد الأعلى المفترض مجتبى خامنئي منذ مقتل والده علي خامنئي مع بداية الحرب.
مقتل شخصيات بارزة مثل علي لاريجاني أفسح المجال أمام بروز شبكة عسكرية قيادية غير مركزية
وتلفت المجلة إلى أن هذا الغياب، إلى جانب مقتل شخصيات بارزة مثل علي لاريجاني، أفسح المجال أمام بروز شبكة قيادية غير مركزية، صُممت لتأمين استمرارية النظام وتفادي ضربات الاستهداف المباشر. هذه الشبكة، بحسب المصدر ذاته، يقودها عملياً الحرس الثوري عبر مؤسسات أمنية وعسكرية متعددة.
كما أعيد تنشيط مجلس الدفاع ليعمل كغرفة عمليات مركزية لتحديد الأهداف وإدارة الضربات، بينما يتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يهيمن عليه عسكريون، رسم التوجهات العامة.
وتؤكد The Economist أن شخصيات صاعدة من داخل الحرس، مثل محمد باقر قاليباف، أصبحت تحظى بثقل سياسي متزايد، بل وتُطرح كقنوات محتملة للتواصل مع الخارج.
وتنقل المجلة عن مصادر مطلعة أن النظام الإيراني يشهد تحولاً من طابعه الديني إلى نموذج أقرب إلى “مجلس عسكري، على غرار تجارب دول أخرى، حيث أصبحت القوة العسكرية هي المحدد الرئيسي للقرار.
ورغم أن الدستور يشترط أن يكون المرشد الأعلى مرجعية دينية، فإن صعود مجتبى خامنئي، بحسب المجلة، جاء بدعم من الحرس الثوري أكثر منه استناداً إلى مؤهلات دينية.
غير أن هذا التحول لا يخلو من تعقيدات، إذ تؤكد The Economist أن الحرس الثوري ليس كتلة متجانسة، بل يضم تيارات مختلفة بين إصلاحيين وبراغماتيين ومتشدّدين، من بينهم سعيد جليلي الذي يعارض أي تسوية مع الولايات المتحدة. وهذا التباين الداخلي يثير شكوكا حول قدرة أي اتفاق محتمل على الصمود.
يعزو مراقبون صمود الحرس الثوري أمام الضربات العسكرية إلى اعتماده هيكلة لامركزية
ومن جهة أخرى، يعزو مراقبون صمود الحرس الثوري أمام الضربات العسكرية إلى اعتماده هيكلة لامركزية، حيث تم تقسيمه إلى 31 منطقة، لكل منها مخزونها الخاص من الأسلحة واستقلالية نسبية في اتخاذ القرار عند الضرورة.
كما تم تفكيك قوات “الباسيج” إلى خلايا صغيرة متنقلة، ما يعزز قدرتها على الاستمرار في القتال حتى في حال انهيار القيادة المركزية.
وفي البعد الداخلي، تشير The Economist إلى أن الحرب ساهمت في تقليص احتمالات الانتفاضة الشعبية، بعدما أدى القصف إلى تراجع حماس الشارع، في وقت استغل فيه الحرس الثوري الوضع لتعزيز قبضته، عبر تصنيف منتقديه كمتعاونين مع العدو وتهديدهم بمصادرة ممتلكاتهم.
وتابعت “إيكونوميست” في السياق ذاته، أن مجلس الدفاع الذي أعيد تنشيطه، يعمل كغرفة حرب، ويقوم بتحديد الأهداف وتوجيه الغارات.
كما أشارت المجلة ذاتها، أنه لا يعرف شيء عن أعضاء المجلس هذا، ويعتقد أنه مكون من جنرالات سابقين أو حاليين يعملون في الحرس الثوري. ويتم توجيه العمليات من خلال مقرات “خاتم الأنبياء”. ويعتقد المراقبون للشأن الإيراني أن الحرس الثوري يتحكم بشدة في الصواريخ طويلة المدى والمتقدمة التي تملكها إيران.
وتشير المجلة أن هذا الوضع الناشئ من الحرب يمثل معضلة لأي مفاوض أمريكي محتمل لأن الحرس الثوري ليس تيارا واحدا متماسكا.
يوجد العديد من المتشددين الذين يرفضون بشدة أي حلول وسط
فبعض قادته تضيف المجلة، مثل حسين علائي، الجنرال المتقاعد الذي شبه استبداد خامنئي باستبداد الشاه، ينتمون إلى التيار الإصلاحي، أما قاليباف فيترأس مجموعة من البراغماتيين الذين يراوحون بين التشدد والاعتدال حسب مقتضيات الموقف، وقد يكون كلا المعسكرين منفتحا على الحوار.
ومع ذلك، يوجد العديد من المتشددين الذين يرفضون بشدة أي حلول وسط، يقودهم سعيد جليلي، والذي خرج من عباءة الحرس الثوري وحصل على 13.5 مليون صوت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
وتخلص المجلة إلى أن الحرس الثوري خرج من هذه الحرب أكثر قوة ونفوذا، ليس فقط عسكريا بل سياسيا أيضا، ما يجعل مستقبل إيران مرهونا بدرجة كبيرة بتوازنات هذه المؤسسة، وبقدرتها على إدارة خلافاتها الداخلية والتعامل مع الضغوط الخارجية.






