
في وقت كان يُنتظر فيه من برنامج فرصة أن يشكل رافعة حقيقية لإدماج الشباب في سوق الشغل، تحوّل تدريجياً إلى مصدر قلق اجتماعي واقتصادي لآلاف المستفيدين، بعدما وجد عدد كبير منهم أنفسهم في مواجهة مباشرة مع شبح الإفلاس وتراكم الديون.
وعود التشغيل تصطدم بواقع السوق
أُطلق البرنامج في سياق البحث عن حلول مبتكرة لمعضلة البطالة، خاصة في صفوف الشباب حاملي المشاريع. غير أن التجربة الميدانية كشفت عن فجوة واضحة بين الطموح المعلن والواقع العملي، حيث اصطدمت العديد من المشاريع الفتية بإكراهات السوق، من ضعف الطلب إلى شدة المنافسة، مروراً بارتفاع تكاليف التشغيل.
هذا الواقع جعل عدداً كبيراً من المستفيدين عاجزين عن تحقيق الحد الأدنى من المردودية، ما أدى إلى تعثر مشاريعهم في مراحل مبكرة، رغم التمويلات التي حصلوا عليها في إطار البرنامج.
غياب المواكبة يعمّق الأزمة
من بين أبرز الاختلالات التي فجّرت الأزمة، يبرز ضعف المواكبة التقنية والتأطير الذي كان يُفترض أن يشكل حجر الزاوية في نجاح البرنامج. فالمؤسسات الحاضنة ومكاتب الدراسات، التي أوكلت إليها مهمة تتبع المشاريع، لم تنجح في توفير الدعم الكافي، سواء على مستوى التوجيه أو التتبع المستمر.
وقد انعكس هذا الغياب بشكل مباشر على قدرة الشباب على التكيف مع تحولات السوق، واتخاذ قرارات استراتيجية تضمن استمرارية مشاريعهم، ما جعل العديد منهم يواجهون مصيرهم بشكل فردي دون سند حقيقي.
من دعم إلى عبء مالي ثقيل
بدل أن يكون البرنامج فرصة للتمكين الاقتصادي، تحوّل بالنسبة لعدد من المستفيدين إلى عبء مالي ثقيل، خاصة بعد شروع المؤسسات الممولة في تفعيل مساطر التحصيل. آلاف الشباب أصبحوا مهددين بالمتابعة القضائية، في ظل عجزهم عن سداد القروض، وهو ما خلق حالة من الخوف والتردد حتى في اللجوء إلى المؤسسات للمطالبة بالدعم أو إعادة الجدولة.
هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة النموذج المعتمد، والذي ركز على التمويل أكثر من تركيزه على التأهيل والمواكبة، ما جعل المشاريع هشة أمام أول اختبار حقيقي في السوق.
أزمة اجتماعية تلوح في الأفق
تداعيات تعثر برنامج “فرصة” لم تعد تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل بدأت تأخذ أبعاداً اجتماعية مقلقة، مع تزايد عدد الشباب الغارقين في الديون، وفقدان الثقة في برامج الدعم العمومي.
وفي ظل غياب حلول عاجلة، كإعادة جدولة الديون أو توفير مواكبة حقيقية، يُخشى أن يتحول هذا البرنامج من مبادرة لدعم التشغيل إلى أزمة اجتماعية مفتوحة، تعمّق هشاشة فئة واسعة من الشباب، بدل أن تفتح أمامهم آفاق الاستقرار والاندماج الاقتصادي.
برنامج “فرصة” يكشف اليوم عن الحاجة إلى مراجعة عميقة لسياسات دعم المقاولة لدى الشباب، تقوم على التوازن بين التمويل والمواكبة، وتستحضر واقع السوق بدل الاكتفاء بالرهان على الأرقام. فبدون ذلك، ستظل مثل هذه البرامج عرضة لإعادة إنتاج نفس الاختلالات، وإن بأسماء مختلفة.





