الرئسيةمجتمع

تحولات تفوق السياسات..الزواج يفقد بريقه

في لحظة تبدو فيها التحولات الاجتماعية أسرع من قدرة السياسات العمومية على مواكبتها، تخرج نتائج “البحث الوطني حول العائلة” كمرآة صادمة تعكس ملامح مغرب يتغير بصمت، لكن بثقل عميق..

لم يعد الأمر يتعلق فقط بتبدل في الأدوار داخل الأسرة، بل بإعادة تشكيل كاملة لنواة المجتمع، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع التحولات القيمية لتنتج نموذجاً أسرياً مختلفاً، أقل استقراراً وأكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن دعوة المندوب السامي للتخطيط، شكيب بنموسى، إلى تحديث السياسات العمومية ليست ترفاً فكرياً، بل محاولة متأخرة للحاق بقطار اجتماعي غادر المحطة منذ سنوات.

عزوف عن الزواج… حين تتحول الرغبة إلى عبء

في هذا السياق، تكشف معطيات البحث عن مفارقة لافتة.. فمؤسسة الزواج، التي كانت إلى وقت قريب حجر الزاوية في البناء الاجتماعي، بدأت تفقد بريقها تحت ضغط الواقع، إذ صرح 51,7% من العزاب بأنهم لا يرغبون في الزواج، مقابل 40,6% فقط يفكرون فيه، وتزداد القسوة عند الرجال، حيث تبلغ نسبة الرفض 59,8%، فيما تعبر النساء عن رغبة أعلى في الزواج بنسبة 53,6%، وهي ارقام تعكس أكثر من مجرد اختيار شخصي؛ إنه تعبير صريح عن اختلال في التوازن بين الطموحات الفردية والإكراهات الاقتصادية، حيث تحولت تكلفة الزواج، من سكن وتجهيزات والتزامات اجتماعية إلى عائق حقيقي، خصوصاً في ظل ارتفاع البطالة في صفوف الشباب وتراجع القدرة الشرائية.

كما لا يمكن فصل هذا العزوف عن تأخر سن الزواج الأول، الذي بلغ 26,3 سنة لدى النساء و33,3 سنة لدى الرجال، مقارنة بمعدلات أقل بكثير قبل عقود، تأخرٌ لا يعكس فقط رغبة في تحقيق الاستقرار المهني، بل يعكس أيضاً نوعاً من الحذر الجماعي تجاه مؤسسة لم تعد تضمن الاستقرار كما في السابق.

تفكك النمط التقليدي… نهاية زواج “القبيلة”

في عمق هذه التحولات، يسجل البحث ايضا، تراجعاً ملحوظاً في زيجات الأقارب، التي انخفضت من %29,3 سنة 1995 إلى %20,9 سنة 2025، هذا الانخفاض ليس مجرد رقم، بل مؤشر على تفكك البنيات التقليدية التي كانت تحكم الاختيارات الزوجية، لصالح نماذج أكثر فردانية وانفتاحاً، اذ لم يعد الانتماء العائلي المحدد الأول، لكن حتى هذا “الاختيار الحر” يظل محكومًا بمنطق التجانس الاجتماعي.. إذ تتزوج 83% من النساء من شريك ينتمي إلى الفئة الاجتماعية نفسها، و62,5% من شريك من الأصل الجغرافي نفسه، هكذا تبدو الأسرة المغربية وقد انتقلت من سلطة القرابة المباشرة إلى سلطة أكثر نعومة، ورغم ما يحمله هذا التحول من دلالات إيجابية على مستوى التحرر الفردي، فإنه يطرح في المقابل تحديات جديدة تتعلق بضعف شبكات التضامن العائلي، التي كانت تؤدي دوراً محورياً في دعم الأسر الناشئة.

سياسات متأخرة أمام واقع متسارع

أمام هذه الصورة المركبة، يبدو أن السياسات العمومية لا تزال تتحرك بمنطق الأمس، بينما يفرض الواقع إيقاعاً مختلفاً، فالدعوة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وتقوية التضامن بين الفئات ليست سوى عنوان عريض لمعضلة أعمق، تتعلق بغياب رؤية مندمجة تأخذ بعين الاعتبار التحولات الديموغرافية والقيمية في آن واحد.

إن المغرب، وهو يدخل مرحلة جديدة من التحول الأسري، يجد نفسه أمام اختبار حقيقي: إما إعادة صياغة سياساته بما ينسجم مع هذا الواقع الجديد، أو الاستمرار في إنتاج فجوة متزايدة بين مجتمع يتغير بسرعة، ومؤسسات لا تزال تلاحق ظله.. وفي هذا السياق، لا تبدو الأرقام مجرد معطيات إحصائية، بل إشارات إنذار لمستقبل قد يكون أكثر هشاشة مما نتصور.. فالعائلة لم تعد الكيان الواسع المُتكافل التقليدي، بل صارت أصغر، وأكثر هشاشة، وأشد ارتباطًا بمحددات الاقتصاد والسكن والتفاوتات المجالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى