الرئسيةمجتمع

صناعة الألبان بالمغرب: ربح من فوق وهشاشة من تحت

في خطوة تعكس دينامية متسارعة داخل الصناعات الغذائية، يشهد المغرب إطلاق وحدة صناعية جديدة لإنتاج الحليب المبستر بمدينة القنيطرة باستثمار يناهز 10.8 مليون دولار, تحت قيادة التعاونية الفلاحية EXTRALAIT، و يندرج هذا المشروع ضمن طموح المغرب في توسيع الطاقة الإنتاجية، كما يعكس تحولا أعمق في بنية القطاع، حيث باتت المنافسة ترتكز على الجودة، وتنويع المنتجات، وسرعة التكيف مع تحولات الطلب الاستهلاكي.

من التعاونية إلى الصناعة… قصة صمود أم وهم استمرارية؟

تُقدَّم التعاونية كنموذج وطني متماسك، نجح على مدى سبعة عقود في تجميع حوالي 12 ألف مربي صغير ضمن شبكة تضم 44 تعاونية و57 مركزا لتجميع الحليب، كما تمتلك واحدة من أربع أبراج لتجفيف الحليب بالمغرب، وهي آلية حاسمة لتصريف فائض الإنتاج وتحويله إلى مسحوق عند ذروة الوفرة أو عند تراجع الطلب، وحسب الوزارة فهي تشغل أكثر من 700 شخص، وحققت سنة 2025 رقم معاملات يقارب 480 مليون درهم.. غير أن هذا النجاح الظاهري يخفي واقعا أكثر تعقيدا، حيث لا يزال صغار الفلاحين الحلقة هم الأضعف في سلسلة الإنتاج، يواجهون تقلبات أسعار الأعلاف وتحديات الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج، وبين خطاب الصمود الرسمي والواقع القروي الهش، يظل السؤال مطروحا حول من يستفيد فعليا من هذه الدينامية: الفلاح أم المصنع؟

139 فرصة عمل… أرقام مطمئنة أم حلول ظرفية؟

يُرتقب أن يوفر المشروع 139 منصب شغل مباشر، وهو رقم يبدو إيجابيا في سياق بطالة متفاقمة، لكنه يظل محدود الأثر إذا ما قورن بحجم الانتظارات الاجتماعية، فالتشغيل في مثل هذه المشاريع الصناعية غالبا ما يكون هشّا أو مرتبطا بسلاسل إنتاج غير مستقرة، ما يطرح إشكالية الاستدامة في سوق شغل يعاني أصلا من ضعف الإدماج الحقيقي للشباب.

القنيطرة… قطب صناعي صاعد أم إعادة توزيع جغرافي للاستثمار؟

تعزيز موقع القنيطرة كمركز للصناعات الغذائية يعكس توجها نحو إعادة تموقع جغرافي للاستثمارات، لكنه يطرح في الآن ذاته تساؤلات حول العدالة المجالية، فتركيز المشاريع في مناطق بعينها يعمّق الفوارق بين الجهات، ويعيد إنتاج نفس الخريطة الاقتصادية غير المتوازنة التي طالما شكلت أحد أعطاب النموذج التنموي المغربي.

قطاع يشتغل على الهامش… لكنه يحمل عبئًا وطنيًا ثقيلًا

الألبان في المغرب ليست مجرد مادة استهلاكية يومية، بل منظومة اجتماعية-اقتصادية كاملة، فبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، تسهم هذه السلسلة بنحو 5% في حجم الإنتاج الفلاحي، وتمثل 10.7% من الصناعات الغذائية، كما أن جهة الرباط-سلا-القنيطرة تعد أول قطب حلبي بالمملكة بإنتاج بلغ 522 مليون لتر، بينما تستحوذ جهات بني ملال-خنيفرة والدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي على 47% من الإنتاج الوطني، وتُظهر الأرقام نفسها أن المغرب يتوفر على 2800 مركز لتجميع الحليب بطاقة تفوق 2.5 مليون لتر يوميًا، وأن الحليب المُجمع يمثل في المتوسط 64% من الإنتاج، قبل أن يمر عبر 122 وحدة صناعية محلية.

الحليب النباتي… موضة استهلاكية أم تحول استراتيجي؟

وفي موازاة هذا الاستثمار التقليدي، يشهد السوق المغربي بروز أول علامة محلية للحليب النباتي “Nabatlé” من طرف شركة جودا، في خطوة تعكس تحولا تدريجيا في أنماط الاستهلاك، فهذه المنتجات، المستخلصة من الشوفان واللوز وجوز الهند، تقدم نفسها كبديل صحي ومستدام، مدعمة بالكالسيوم وخالية من اللاكتوز والمواد الحافظة، غير أن هذا التحول لا يخلو من المفارقة، إذ يأتي في وقت لا يزال فيه الحليب التقليدي يعاني من اختلالات في الجودة والتوزيع.

سوق ناشئة بأرقام واعدة… ولكن

تشير التوقعات إلى أن سوق الحليب النباتي بالمغرب قد تبلغ 7.12 مليون دولار خلال 2025، مع معدل نمو سنوي مركب يصل إلى 17.84%، أرقامٌ تبدو مغرية للمستثمرين، لكنها تظل محدودة مقارنة بحجم السوق التقليدية، ما يجعله قطاعا أقرب إلى “ترف استهلاكي حضري” منه إلى بديل حقيقي قادر على إعادة تشكيل المنظومة الغذائية.

بين الاستثمار والسيادة الغذائية… معادلة لم تُحسم بعد

الواقع أن المغرب لا يفتقر إلى المبادرات، بل إلى توازن أكثر عدلًا بين الإنتاج والاستهلاك، وبين دعم الفلاح والقدرة الشرائية للمستهلك، فـHCP سجل أن متوسط استهلاك الفرد من الحليب ومشتقاته لم يتجاوز 59 لترًا سنويًا سنة 2014، أي أقل من التوصية الصحية العالمية، بينما ظل العجز التجاري لقطاع الحليب ومشتقاته في حدود 640 مليون درهم سنة 2017، لذلك، فإن مصنع القنيطرة مهم، نعم، لكنه أيضًا تذكير بأن الصناعة الغذائية لا تُقاس بعدد الافتتاحات وحدها، بل بقدرتها على تخفيف هشاشة القرى، وكبح التبعية، وإخراج الحليب من  منطق الشعارات إلى منطق السيادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى