
رسم وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري، خلال ندوة رفيعة المستوى احتضنتها فعاليات الدورة الثامنة عشرة للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب، لوحة وردية لموسم فلاحي “استثنائي”، متحدثا عن إنتاج مرتقب للحبوب يبلغ 90 مليون قنطار، مع نمو مرتقب للناتج الداخلي الخام الفلاحي بنسبة 15% مقارنة بالسنة الماضية، كما تحدث عن تحسن الموارد المائية وبلوغ مخزون السدود حوالي 16 مليار متر مكعب، إضافة إلى دينامية إيجابية في الإنتاج الحيواني الذي تستفيد منه 1.2 مليون أسرة.. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه خارج قاعات المؤتمرات اللامعة هو: هل تكفي هذه الأرقام لتغيير واقع قطاع يعيش أزمات بنيوية منذ سنوات؟
حين يصبح المطر وزيراً فعلياً للفلاحة
كشف تصريح الوزير، من حيث لا يقصد، جوهر المعضلة المغربية.. فكل المؤشرات الإيجابية التي عرضها ربطها مباشرة بتحسن التساقطات المطرية، ومعنى ذلك ببساطة أن القطاع الفلاحي، بعد مخططات واستراتيجيات كلفت مليارات الدراهم، ما زال رهينة الغيث أكثر مما هو رهين التخطيط، فإذا نزل المطر ارتفعت لغة التفاؤل، وإذا غاب عاد الحديث عن الجفاف والظرفية الدولية.. ما يدفع لطرح سؤال النجاعة: كيف لدولة استثمرت لعقود في برامج كبرى مثل “المغرب الأخضر” ثم “الجيل الأخضر” أن يبقى أمنها الغذائي معلقاً بالسحب؟ أين نتائج تحديث أنظمة الري، وتثمين البذور، وتقوية سلاسل التخزين والتحويل؟ الواقع أن الحبوب ما تزال مرآة هشاشة النموذج الزراعي لا دليل نجاحه.
الأسر القروية بين أرقام الدعم وفقر المعيشة
و من جهة أخرى، يؤكد الوزير أن 1.2 مليون أسرة تستفيد من الإنتاج الحيواني، مقدما رقماًل اجتماعياً ضخماً.. لكن هذا الرقم نفسه يمكن قراءته من زاوية أخرى: ملايين المواطنين ما زالوا معتمدين على قطاع شديد التقلب، يتأثر بالجفاف وغلاء الأعلاف والأمراض وتذبذب الأسعار ما يزعزع احساس الاكتفاء و الاستقرار المادي لـ 1.2 مليون مواطن، فالاستفادة شيء، والعيش الكريم شيء آخر.
و هذا ما تطرجمه المندوبية السامية للتخطيط، باقرارها ان معدلات الهشاشة والفقر تبقى أعلى في الوسط القروي مقارنة بالمدن، كما أن الشغل الفلاحي غالباً موسمي وضعيف الحماية الاجتماعية.. لذلك، حين يُقال إن القطاع يوفر دخلاً للأسر، يجب السؤال: أي دخل؟ وهل يكفي لمواجهة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة؟
اللحوم والحليب… أرقام الإنتاج لا تعني عدالة السوق
وفي ذات السياق، تحدث الوزير عن 330 ألف طن من اللحوم الحمراء، و784 ألف طن من اللحوم البيضاء، و6.5 مليار بيضة، مع تغطية كاملة لحاجيات السوق في الدواجن.. لكن المستهلك المغربي لا يشتري الأطنان، بل يشتري بالكيلوغرام، وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: وفرة الإنتاج لم تمنع ارتفاع أسعار اللحوم والحليب والبيض خلال فترات متكررة و مستمرة.
المشكل الحقيقي ليس فقط في الإنتاج، بل في سلاسل التوزيع الوسطاء (الشناقة) وضعف تنظيم الأسواق وغياب الرقابة، لذلك يصبح الخطاب الرسمي عن الوفرة فاقداً لبريقه عندما يصطدم المواطن بأثمان ترهق قدرته الشرائية.
سياسياً… منطق الإنجاز الموسمي بدل الإصلاح البنيوي
ما قُدم في مكناس يعكس استمرار ثقافة سياسية قديمة: الاحتفاء بموسم جيد بدل مساءلة نموذج كامل، فالحكومة تسوق الأرقام حين تكون إيجابية، لكنها نادراً ما تقدم حصيلة دقيقة حول الفوارق المجالية، واستنزاف الفرشات المائية، وتركيز الدعم لدى كبار الفاعلين، وهجرة الشباب من القرى.
الفلاحة المغربية لا تحتاج فقط إلى موسم ممطر، بل إلى عدالة مائية، وأسواق شفافة، ودعم يصل للصغار قبل الكبار، وربط الإنتاج بالأمن الغذائي الوطني لا بمنطق التجميل الظرفي.. لأن الحقول لا تُدار بالخطب، والقرى لا تعيش على البلاغات، والمواطن لم يعد يقتنع بالأرقام حين يناقضها واقعه اليومي.




