
قرار استعجالي يفضح كلفة التأجيل
تضع سلطات طاطا زراعة البطيخ الأحمر والأخضر «الدلاح» تحت المنع المؤقت، في قرار عاملي يستهدف حماية الملك العام المائي بعد توالي سنوات الجفاف وتراجع التساقطات، لكن الخطوة تطرح سؤالاً يتجاوز حدود الإقليم: لماذا تتحرك السلطات حين يشتد الإجهاد المائي، بدل ربط الاختيارات الزراعية مسبقاً بقدرة الفرشة على التجدد؟
ويستند القرار، وفق المعطيات المعلنة بشأنه، إلى المقتضيات القانونية وتوصيات اللجنة الإقليمية للماء، غير أن صدوره لا يضمن تنفيذه؛ ففعالية القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء تُقاس بمدى مراقبة الاستغلال، وضبط الضخ، وتطبيق القواعد على الجميع، لا بعدد القرارات الإدارية.
اقتصاد يُصدّر الثمار ويستنزف رصيد الواحات
تكشف زراعة المحاصيل الشرهة للماء مفارقة اقتصادية تستحق المساءلة: تتحول المياه الجوفية إلى منتج قابل للبيع، بينما يتحمل المجال المحلي مخاطر تراجع مورد حيوي يصعب تعويضه.. وهنا لا يتعلق الأمر بمخاصمة النشاط الفلاحي أو إنكار دوره في التشغيل والدخل، بل بمساءلة نموذج إنتاج لا يمكن تقييم مردوديته بمعزل عن كلفته المائية والاجتماعية.
وفي زاكورة، حيث شهدت المنطقة احتجاجات مرتبطة بالعطش، تكتسب المفارقة بعداً أكثر حساسية، فالماء ليس مجرد مدخل للإنتاج، بل شرط للشرب واستمرار الواحات والاستقرار المحلي.. وعندما تتنافس الحاجيات اليومية والأنشطة الزراعية على مخزون محدود، يصبح تنظيم الاستغلال مسؤولية عامة لا يجوز تركها لمنطق السوق وحده.
زاكورة تطالب بأكثر من تحديد المساحات
اعتبر فاعلون وسكان محليون أن الاكتفاء بتحديد المساحات المسقية لم يعد كافياً لوقف استنزاف المياه الجوفية، وطالبوا في مراسلة إلى عامل الإقليم بحظر عملي لهذه الزراعات، ويطرح مطلبهم سؤالاً مباشراً: ما جدوى تقليص المساحات إذا لم تُراقب الآبار وكميات الضخ، ولم تُنشر معطيات تسمح بقياس أثر الإجراءات؟
فحماية الفرشة تقتضي مراقبة مختلف الاستعمالات المائية، وإخضاع المستغلين للقواعد نفسها، ونشر نتائج التدخلات بما يسمح بتقييمها، كما أن اختزال الأزمة في محصول واحد قد يحجب الحاجة إلى تدبير شامل يربط الاستغلال بحالة المخزون وقدرته على التجدد.
من يدفع فاتورة الانتقال الفلاحي؟
لا يمكن حماية الماء بتحميل الفلاح الصغير وحده كلفة التحول، فقد سجلت المندوبية السامية للتخطيط فقدان 80 ألف منصب شغل في الوسط القروي خلال 2024، في سياق يعكس هشاشة التشغيل خارج المدن، و رغم ان هذه الحصيلة لا تعني أن زراعة البطيخ مسؤولة عن فقدان الوظائف، لكنها تبرز حساسية أي قيود جديدة قد تمس دخل الأسر والعمال الزراعيين.
لذلك، ينبغي أن يترافق المنع مع دعم زراعات ملائمة للمناخ الجاف، وتمويل تقنيات الري المقتصد، وتأمين منافذ التسويق، ودراسة آليات لمواكبة المتضررين المستحقين.. فالحظر بلا بدائل قابلة للتطبيق قد ينقل الأزمة من الفرشة المائية إلى جيوب الأسر، من دون أن يضمن وحده استدامة الموارد.
الاختبار يبدأ بعد القرار
لا تُقاس نجاعة السياسة المائية بعدد القرارات، بل بنتائجها: هل تراجع الضخ؟ هل تحسن المخزون؟ وهل طُبقت القواعد على الجميع؟ أسئلة تستوجب مؤشرات معلنة وتقييماً دورياً، لا تدابير موسمية تنتهي بانتهاء موسم الزراعة.
“الواحات لا تحتاج إلى الاختيار بين الماء والعيش، بل إلى سياسة تحمي المورد وتصون سبل الرزق معاً.” أما ترك الفلاح بين حظر بلا بديل، والسكان أمام فرشة تتراجع بلا شفافية أو مساءلة، فليس انتقالاً نحو فلاحة مستدامة، بل ترحيلاً لكلفة الأزمة إلى المجتمع.





