
ترأس ترأس الملك محمد السادس، السبت 17 أكتوبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، مجلسا وزاريا خُصص لدراسة والمصادقة على التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يضع دعم القدرة الشرائية للأسر، وتعزيز الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتقليص الفوارق المجالية ضمن أبرز أولوياته، مع رصد 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة.
نمو اقتصادي متوقع بـ4.7% وعجز في حدود 3%
ويأتي هذا الاجتماع في أعقاب تعيين الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، وقبيل إحالة مشروع قانون المالية على البرلمان، في موعد أقصاه 20 أكتوبر الجاري، بما يضع الفريق الحكومي أمام مسؤولية ترجمة التوجهات المعلنة إلى تدابير مالية وإجراءات عملية.
نمو اقتصادي متوقع بـ4.7% وعجز في حدود 3%.
وخلال المجلس الوزاري، قدم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية عرضا بشأن المرتكزات الأساسية لمشروع قانون المالية، وفقا لمقتضيات الفصل 49 من الدستور، مستحضرا السياق الدولي الذي تطبعه التوترات الجيوسياسية، وتصاعد السياسات الحمائية، وتزايد التنافس الدولي حول مصادر الطاقة والتكنولوجيا والتمويل.
وبحسب المؤشرات التي عرضتها الحكومة، يُنتظر أن يحقق الاقتصاد المغربي نموا بنسبة 4.7 في المائة مع نهاية سنة 2026، مقابل حصر التضخم في حدود 0.7 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وتشكل هذه التوقعات الإطار الاقتصادي الذي ستتحرك ضمنه ميزانية السنة المقبلة، في ظل تحدي التوفيق بين الحفاظ على التوازنات المالية والاستجابة للضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
القدرة الشرائية في صدارة الأولويات الاجتماعية
وضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحسين الأوضاع المعيشية للأسر وتعزيز ركائز الدولة الاجتماعية في مقدمة توجهاته، من خلال إجراءات تستهدف دعم الدخل، وإطلاق إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار ابتداءً من السنة المقبلة.
وتتضمن التدابير المعلنة الرفع من قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة تعميم التغطية الصحية مع العمل على ضمان استدامة تمويلها، إلى جانب تسريع تأهيل المنظومتين الصحية والتعليمية العموميتين.
كما تشمل هذه التوجهات مواصلة برنامج الدعم المباشر للسكن، بهدف توسيع فرص الحصول على سكن لائق.
وتضع هذه الالتزامات الحكومة أمام تحدي تحقيق أثر ملموس على الحياة اليومية للمواطنين، خصوصاً في ما يتعلق بتكاليف المعيشة وجودة الخدمات العمومية ومدى استفادة الفئات المستهدفة من آليات الدعم.
برنامج وطني لإدماج الشباب بين 2027 و2031
ويحتل ملف الشباب موقعاً بارزاً ضمن المشروع المالي الجديد، من خلال التوجه نحو إطلاق برنامج وطني مندمج للفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، يروم الربط بين التعليم والتكوين والتأهيل المهني ومتطلبات سوق الشغل.
ويستهدف البرنامج توفير مواكبة أكثر تكاملاً للشباب، تشمل التوجيه والتكوين المهني، وتيسير الوصول إلى التمويل والضمانات والأسواق، بما يعزز فرص الاندماج الاقتصادي والمبادرة المقاولاتية.
وتقر التوجهات المعروضة بمحدودية المقاربات القطاعية المتفرقة في معالجة قضايا الشباب، وتدعو إلى تجاوزها نحو سياسة متكاملة تواكب مسار الشاب من التكوين إلى العمل، مروراً بالسكن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
25 مليار درهم لتسريع التنمية الترابية
وفي سياق مواجهة التفاوتات بين المجالات الترابية، يراهن مشروع قانون المالية على تسريع الجهوية المتقدمة وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
وفي هذا الإطار، تقرر تخصيص غلاف مالي بقيمة 25 مليار درهم لتسريع تنفيذ هذه البرامج، بما يستجيب للتوجهات الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية وتحسين شروط التنمية المحلية.
وتشمل التدابير المرتبطة بهذا الورش إعادة تنظيم اختصاصات الجهات، وتعزيز التنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، فضلاً عن استكمال تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري.
ويظل الرهان الأساسي مرتبطاً بمدى قدرة هذه الاعتمادات على التحول إلى مشاريع ملموسة تستجيب لحاجيات السكان، وتضمن توزيعاً أكثر توازناً للاستثمارات والخدمات الأساسية بين مختلف مناطق المملكة.
الماء والطاقة والغذاء والرقمنة.. رهانات السيادة
وتشكل السيادة الاستراتيجية محوراً آخر ضمن أولويات ميزانية 2027، من خلال مواصلة الاستثمار في الأمن المائي وتطوير الطاقات المتجددة وتعزيز الأمن الغذائي، إلى جانب تقوية القدرات الوطنية في المجال الرقمي.
وتتضمن التوجهات المعلنة مواصلة تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، والشروع التدريجي في تنفيذ خارطة طريق البنية التحتية للغاز، فضلاً عن تسريع المشاريع المرتبطة بتأمين الموارد المائية.
وتندرج هذه التدابير ضمن مسعى تقليص مواطن الهشاشة أمام التقلبات الخارجية، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على ضمان احتياجاته الاستراتيجية ومواكبة التحولات الدولية في مجالات الطاقة والتكنولوجيا.
الاستثمار الخاص والمقاولات الصغيرة في قلب الرهان الاقتصادي
أما الأولوية الخامسة، فتتمثل في بناء اقتصاد قادر على تمويل الالتزامات الاجتماعية والمشاريع الاستراتيجية، مع الحفاظ على التوازنات المالية ومواصلة الإصلاحات المؤسساتية.
وفي هذا الاتجاه، يراهن المشروع على تطوير منظومات صناعية جديدة في قطاعات ذات أهمية استراتيجية، وتحفيز الاستثمار الخاص عبر تفعيل آليات الدعم التي ينص عليها ميثاق الاستثمار، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار.
كما يحظى دعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة باهتمام خاص، باعتبارها أحد المكونات الأساسية للنسيج الاقتصادي الوطني.
ويجمع هذا التوجه بين السعي إلى تعزيز الإنتاج والاستثمار من جهة، والحفاظ على القدرة المالية للدولة لتمويل البرامج الاجتماعية ومشاريع البنية التحتية من جهة أخرى.
الحكومة الجديدة أمام أول اختبار مالي وتشريعي
ويمنح توقيت انعقاد المجلس الوزاري مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة، إذ يأتي مباشرة بعد تعيين الحكومة الجديدة، وقبل الموعد المحدد لإيداع المشروع لدى البرلمان في 20 أكتوبر الجاري.
وبعد المصادقة على التوجهات العامة، تنتقل المسؤولية إلى الحكومة من أجل صياغة التدابير التفصيلية وتحديد الاعتمادات المالية اللازمة لتنفيذ الأولويات المعلنة، قبل عرض المشروع على المناقشة البرلمانية.
وبذلك، لن يقتصر الاختبار الأول لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري على إعداد ميزانية تستجيب للتوجهات المحددة، بل سيمتد إلى مدى قدرتها على التوفيق بين الالتزامات الاجتماعية ومتطلبات الاستثمار والانضباط المالي، وتحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس على مستوى القدرة الشرائية والتشغيل والتنمية الترابية وجودة الخدمات العمومية.





