
موسم يذوب تحت الشمس
في ظرف ثلاثة أيام فقط من موجة حرّ خانقة، تبخر ما يقارب 80 ألف طن من الأفوكادو في الحقول المغربية، أي نصف الموسم الوطني.. الخسارة ليست مجرد رقم في تقارير الفلاحية، بل عنوان بارز على عبثية الخيارات الزراعية التي تحولت إلى لعبة قمار بمصير الماء والغذاء، فبلد يعيش تحت وطأة الجفاف لا يملك ترف المغامرة بمحاصيل استوائية تحتاج إلى أنهار كاملة لتعيش.
زراعة تصديرية تلتهم الماء
الأفوكا ليست مجرد ثمرة، بل رمز لاختيار سياسي واقتصادي يعكس انحيازاً واضحاً للتصدير على حساب الأمن الغذائي، فإنتاج كيلوغرام واحد من هذه الفاكهة يستهلك نحو 2000 لتر من ماء، أي ما يكفي لسد حاجيات أسرة من الشرب لأيام، ومع توسع المساحات المزروعة التي تجاوزت 20 ألف هكتار، تستهلك هذه الزراعة ما يقارب 200 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، أي ما يعادل استهلاك مدن كبرى كفاس أو مراكش من مياه الشرب،لتبرز المفارقة القاسية.. هذه المياه تُمنح بسخاء لحقول الأفوكا الموجهة للأسواق الأوروبية، بينما ملايين المغاربة في القرى يفتشون عن بضع لترات في صهاريج متنقلة.
اقتصاد يزرع للغير ويجوع الذات
حَوَّل المخطط الأخضر المغرب الى حديقة خلفية للأسواق الأوروبية، و المعادلة واضحة وصادمة: المغرب يحتل مراتب متقدمة في تصدير الأفوكادو والفريز والحوامض، لكنه في المقابل يستورد أكثر من 60 في المئة من حاجياته من القمح، نصدر الماء في شكل ثمار فاخرة، ونشتري خبزنا بالدولار.
كيف يمكن لدولة تُعرف بأنها من بين أكثر عشرين بلداً مهدداً بندرة المياه أن تسمح بتبذير مواردها في زراعة لا تعود بالنفع على مواطنيها؟
الخسارة التي تكشف الفشل
كشف ضياع نصف الموسم في بضعة أيام هشاشة النموذج الزراعي الذي يقدمه المغرب لنفسه و للعالم، عشرات الملايين من الدراهم تبخرت مع المحصول، والفرشة المائية نُهبت دون عائد، والمواطن ظل عطشاناً وجائعاً.. إنها ثلاثية الفشل: فلاّح خسر تعبه، مواطن فقد حقه في الماء، ودولة اختارت أن تزين صورتها أمام أوروبا على حساب أساسيات حياة شعبها.
دروس لم نستوعبها
فهمت إسبانيا التي سبقت المغرب في إنتاج الأفوكا الدرس عندما بدأ استنزاف مواردها المائية، فقلصت المساحات المزروعة ووجهت دعمها لمحاصيل أقل استهلاكاً.، في المقابل لا يزال المغرب مصرا على المضي في الطريق ذاته، وكأنه بلد استوائي تحيط به الأنهار، رغم أن مخزون سدوده هبط إلى أقل من 30 في المئة سنة 2024،
المغرب الأخضر أم المغرب العطشان؟
لقد تحوب المشروع الذي حمل اسم “المغرب الأخضر” إلى “مغرب عطشان”، يخدم مصالح لوبيات فلاحية كبرى تملك الأرض والموارد وتبحث عن الأرباح في أوروبا، بينما الفلاح الصغير يئن تحت الخسائر، والمواطن العادي ينتظر صهريجاً في قريته، نتيجة يلخصها المثل الشعبي بدقة: “لا رزقي بقى، لا وجهي تنقى”..، فلا نحن ربحنا عملة صعبة من التصدير، ولا نحن وفّرنا الأمن الغذائي لشعب عطشان وجائع.
النهاية المريرة
في النهاية، السؤال يفرض نفسه بحدة: من أجل من نزرع؟ الحقيقة الفاضحة أننا لا نزرع لأنفسنا، بل نزرع للأوروبي الذي يجد الأفوكادو المغربية على رفوف متجره، فيما المواطن المغربي لا يجد ماءً يسقي به أطفالها، نزرع للفرنسي و الإسباني و السويدي ليتلذذ الدلاح و الحوامض و الطماطم بينما المغربي يستورد كسرة الخبز .
هكذا ينكشف زيف السياسات الزراعية في بلد يصدّر الماء في شكل فواكه، ويستورد خبزه بالدولار. ووسط هذا العبث، لا يبقى للمغربي سوى أن يردد بحسرة: الأفوكا وصلت للباريسية… وأناما لقيتش حتى لتر ماء في صنبور بيتي.




