الرئسيةمجتمع

صفعة دستورية لمشروع تنظيم مهنة العدول

لم يكن قرار المحكمة الدستورية بشأن مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول مجرد ملاحظة تقنية على بعض المقتضيات القانونية، بل شكل حدثا مؤسساتيا بارزا أعاد إلى الواجهة النقاش حول جودة التشريع في المغرب ومدى احترام القوانين الجديدة للضمانات الدستورية، فالقرار الذي صدر يوم الاثنين أسقط عددا من المواد الأساسية في المشروع، موجها انتقادات صريحة لما اعتبرته المحكمة اختلالات تشريعية تمس مبادئ المساواة والأمن القانوني واستمرارية المرافق العمومية.

ويأتي هذا التطور في سياق حساس تسعى فيه الحكومة إلى تحديث المنظومة القانونية والقضائية وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز الثقة في المؤسسات، خاصة أن مهنة العدول تضطلع بدور محوري في توثيق المعاملات العقارية والأسرية والتجارية التي تمس حياة ملايين المغاربة.

حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة بين النصوص والواقع

ومن أبرز المقتضيات التي اعتبرتها المحكمة غير دستورية ما ورد في المادة 53 المتعلقة بالأشخاص ذوي الإعاقة السمعية أو الكلامية، فالمحكمة رأت أن ترك الاستعانة بمترجم أو خبير في لغة الإشارة للسلطة التقديرية للعدلين لا يوفر الضمانات الكافية لهذه الفئة من المواطنين.

ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة في ظل المعطيات الرسمية التي تشير إلى وجود مئات الآلاف من الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب، حيث تؤكد نتائج البحث الوطني حول الإعاقة أن ولوج هذه الفئة إلى الخدمات العمومية والقانونية ما يزال يواجه صعوبات متعددة، ومن ثم فإن قرار المحكمة ينسجم مع التوجهات الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب بشأن حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وضمان مشاركتهم الكاملة في الحياة العامة.

الأمن القانوني في مواجهة الغموض التشريعي

كما وجهت المحكمة انتقادا مباشرا للمادة 67 الخاصة بشهادة اللفيف، معتبرة أن اشتراط حضور 12 شاهدا “ذكورا وإناثا” دون تحديد دقيق لكيفية توزيعهم يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة قد تؤدي إلى تضارب الأحكام القضائية.

ويبرز هذا الموقف أهمية الأمن القانوني باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لدولة القانون، فالمستثمر والمواطن والإدارة يحتاجون جميعا إلى نصوص واضحة لا تحتمل التأويل المتناقض، خصوصا أن المغرب يراهن على تحسين ترتيبه في مؤشرات الثقة القانونية وجاذبية الاستثمار.

فراغ تشريعي يكشف تحديات صناعة القوانين

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ سجلت المحكمة وجود فراغ تشريعي في المادة الثامنة المتعلقة بحالات التنافي مع مهنة العدول، بعدما حدد المشرع المخالفات والعقوبات دون أن يضع مسطرة واضحة للتصريح بحالة التنافي أو الجهة المختصة بمعالجتها.

ويعكس هذا المأخذ إشكالية أعمق تتعلق بجودة الصياغة التشريعية في المغرب، حيث سبق للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وعدد من الخبراء القانونيين أن دعوا إلى تعزيز الدراسات القبلية والتقييم التشريعي قبل عرض مشاريع القوانين على البرلمان.

استمرارية المرفق العام خط أحمر دستوريا

غير أن أقوى رسائل المحكمة جاءت من خلال إسقاطها المواد المنظمة للهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية للعدول من المادة 140 إلى المادة 194، بسبب عدم تضمينها آليات تضمن استمرار عمل هذه المؤسسات في حال تعطل أجهزتها أو تعذر انعقادها.

ويكتسب هذا الجانب أهمية اقتصادية واجتماعية بالغة، لأن أي اضطراب في عمل الهيئات المهنية المشرفة على التوثيق العدلي قد يؤثر على آلاف العقود والمعاملات اليومية المرتبطة بالعقار والإرث والزواج والاستثمار.. لذلك اعتبرت المحكمة أن استمرارية المرفق العام ليست مجرد خيار تنظيمي، بل التزام دستوري لا يمكن تجاوزه.

وفي المحصلة، لا يمثل هذا القرار مجرد تعديل لبعض المواد القانونية، بل يشكل تنبيها قويا للحكومة ووزارة العدل بضرورة الارتقاء بجودة التشريع واحترام الضمانات الدستورية قبل إخراج القوانين إلى حيز التنفيذ، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويكرس دولة الحق والقانون التي ينص عليها دستور المملكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى