
في سياق الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، برزت مؤشرات لافتة، وإن على محدوديتها، على عودة فئات شبابية إلى الاهتمام بالفعل السياسي، في تطور يراه متابعون فرصة لضخ دماء جديدة في الحياة الديمقراطية المغربية وإيصال صوت جيل يحمل تطلعات مختلفة بشأن التشغيل والعدالة الاجتماعية والحكامة.
تنامي دعوات أطلقها بعض نشطاء من “جيل زد” تحث الشباب على التسجيل في اللوائح الانتخابية
كما يُنتظر أن يساهم انخراط هذه الفئات في تجديد النخب السياسية وتعزيز حضور قضايا الشباب داخل المؤسسة التشريعية، بما قد يساعد على استعادة جزء من الثقة والمصداقية التي ما تزال محل نقاش لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
وفي هذا السياق، سجلت الآونة الأخيرة تنامي دعوات أطلقها بعض نشطاء من “جيل زد” تحث الشباب على التسجيل في اللوائح الانتخابية والانخراط في تدبير الشأن العام وعدم الاكتفاء بالتعبير عن المواقف عبر الفضاء الرقمي.
وتزامنت هذه الحملات مع الفترة الاستثنائية المخصصة لمراجعة اللوائح الانتخابية العامة، حيث انتشرت على نطاق واسع منشورات ومضامين رقمية تدعو الشباب، خصوصا في الأوساط الجامعية والمدن الكبرى، إلى التأكد من تسجيلهم وتحيين معطياتهم الانتخابية.
وتأتي هذه الدينامية بعد الحراك الرقمي والميداني الذي ارتبط بما بات يُعرف إعلاميا بـ”جيل زد 212″، والذي رفع مطالب اجتماعية واقتصادية مرتبطة بمحاربة البطالة والفساد وتحسين الأوضاع المعيشية.
إطلاق سراح معتقلي الحراك وتهيئة مناخ سياسي أكثر انفتاحا
كما ترافقت هذه التحركات مع دعوات حقوقية وسياسية طالبت بإطلاق سراح معتقلي الحراك وتهيئة مناخ سياسي أكثر انفتاحا من شأنه تشجيع الشباب على المشاركة في الحياة العامة، وإطلاق سراح باقي الحراكات ومنها حراك الريف.
وفي موازاة ذلك، سارعت بعض الهيئات والأحزاب السياسية، من بينها حزب التقدم والاشتراكية وحركة المواطنون، إلى التفاعل مع هذه المؤشرات، معتبرة أن عودة الشباب إلى واجهة النقاش العمومي تحمل رسائل واضحة إلى النخب السياسية بشأن ضرورة تجديد الخطاب والآليات المعتمدة في التواصل مع الأجيال الجديدة.
ولم يقتصر الاهتمام بهذا الموضوع على الأحزاب السياسية، بل امتد إلى عدد من مكونات المجتمع المدني التي انخرطت بدورها في النقاش حول سبل تعزيز المشاركة السياسية واستعادة الثقة في المؤسسات.
استكشاف تصورات المواطنين لمستقبل العملية الانتخابية
وفي هذا الإطار، أنجزت جمعية “المواطنون” دراسة بعنوان “كيف يرى المغاربة انتخابات 2026؟”، سعت إلى استكشاف تصورات المواطنين لمستقبل العملية الانتخابية ومستويات الثقة السياسية ومتطلبات الإصلاح الديمقراطي.
واعتمدت الدراسة على منهجية “البحث-التدخل التشاركي” من خلال تنظيم “مقاهي المواطنة” بمختلف جهات المملكة، وشملت 2992 مشاركاً ومشاركة. ورغم أن العينة لا تدعي التمثيل الإحصائي الكامل للهيئة الناخبة، بالنظر إلى الطابع الحضري الغالب عليها وارتفاع المستوى التعليمي للمستجوبين، فإن القائمين عليها يعتبرون أن هذه الفئة تمتلك قدرة مهمة على التأثير والتعبئة داخل المجتمع.
وخلصت الدراسة إلى جملة من التوصيات، من أبرزها اعتماد التسجيل التلقائي في اللوائح الانتخابية اعتمادا على بطاقة التعريف الوطنية، وتوسيع آليات ملاحظة الانتخابات، وتعزيز الشفافية الرقمية وإتاحة النتائج بشكل أوسع.
كما دعت، على المدى المتوسط، إلى تطوير آليات فعالة لمساءلة المنتخبين وتقوية حضور الشباب داخل المؤسسات التمثيلية، فيما شددت، على المدى البعيد، على ضرورة تجاوز الطابع الموسمي للعمل الحزبي، وتعزيز القرب من المواطنين، وتوسيع المشاركة الداخلية داخل الأحزاب، وترسيخ مبدأ المناصفة بصورة أكثر فعالية.
لا تبدو الأحزاب المغربية بصدد مراجعة عميقة لأساليب اشتغالها أو لقواعد إنتاج نخبه
ورغم “الضجيج” المصاحب لعودة “جيل زد” إلى النقاش السياسي، لا تبدو الأحزاب المغربية بصدد مراجعة عميقة لأساليب اشتغالها أو لقواعد إنتاج نخبها.
فالأحزاب التي بنت حضورها الانتخابي على شبكة الأعيان ما تزال ماضية في النهج نفسه، بل تبدو أكثر تمسكا به مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، عبر وضع الأعيان في صدارة اللوائح وضمان استمرارية منطق النفوذ المحلي.
وفي المقابل، تواصل الأحزاب التي تعتمد على مناضليها وقواعدها التنظيمية التقليدية العمل بالمنهج ذاته الذي تعتمده، مع انفتاح محدود على الشباب والنساء لا يرقى إلى مستوى التحول البنيوي المطلوب.
ويبرز هذا الواقع بشكل أوضح داخل أحزاب اليسار التي تبدو في أمس الحاجة إلى استقطاب فئات جديدة وإعادة بناء جسور الثقة مع الأجيال الصاعدة، إذ يصعب تصور أي توسع انتخابي أو مجتمعي لها دون تجديد قواعدها الاجتماعية وإقناع فئات غير مسيسة بالانخراط في العملية السياسية.
استبطان شبه جماعي لدى الأحزاب لحدود الفعل السياسي والمؤسساتي المتاح لها
كشفت طبيعة النقاش الانتخابي السائد عن استبطان شبه جماعي لدى الأحزاب لحدود الفعل السياسي والمؤسساتي المتاح لها. فمعظمها يتصرف انطلاقا من قناعة ضمنية مفادها أن دوره لا يتجاوز بلورة برامج جزئية أو تدبيرية، بينما الخيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة تم تحديدها سلفا ضمن أفق يمتد إلى سنة 2030، المرتبط خصوصا بالتحضيرات لكأس العالم وما يرافقها من مشاريع وأولويات.
لذلك تشارك الأحزاب في الانتخابات وهي تدرك أنها لا تتنافس على الحكم بالمعنى الكامل، بل على تدبير جزء من السياسات العمومية داخل إطار مرسوم مسبقا.
والمفارقة أن هذا المنطق يطال حتى بعض أحزاب اليسار التي ترفع شعارات الإصلاح العميق بما فيه إصلاح نظام الحكم، لكنها تخوض الانتخابات بخطاب لا يوحي للناخب بأن التصويت لها يمكن أن يفضي فعلا إلى تنفيذ مشروعها الإصلاحي الشامل، وكأنها تشارك بمنطق الشهادة وفقط على محدودية العملية السياسية أكثر مما تشارك بمنطق السعي إلى كسب السلطة، أو على الاقل تقوية نفوذها الجماهيري، في أفق تطبيق برنامج بديل.





