
بقلم: بثينة المكودي
في قلب سهل سوس، وعلى مرمى 25 كيلومتر من أكادير، تكبر القليعة كجسم حضري بلا ملامح، عنوان صارخ لسياسة الإقصاء.
تحولت من جماعة قروية إلى تجمع حضري يضم اليوم أكثر من 107 آلاف نسمة
هذه المدينة، التي تحولت في ظرف وجيز من جماعة قروية إلى تجمع حضري يضم اليوم أكثر من 107 آلاف نسمة (إحصاء 2024)، تختنق تحت ثقل التوسع العشوائي، غياب الأمن، وانعدام أبسط مقومات الحياة.
الأرقام تكشف حجم الفاجعة من 47 ألف نسمة سنة 2004 إلى 83 ألف سنة 2014، لتقفز خلال عقد واحد إلى أزيد من 107 آلاف، ومع ذلك، لا مفوضية شرطة، لا مستشفى إقليمي مجهز، ولا بنية تحتية تواكب هذا الانفجار الديموغرافي.

شوارع مظلمة، أحياء مهمشة، شباب عاطل بلا أفق، وأسر تبحث يوميا عن الحد الأدنى من الأمان.
غياب الأمن.. خوف يومي
رغم النمو الديموغرافي المهول، تظل القليعة خاضعة فقط لسرية صغيرة للدرك الملكي، في غياب مفوضية شرطة قادرة على مواكبة التوسع العمراني وضبط الواقع الأمني، هذا الفراغ جعل بعض الأحياء تتحول إلى فضاءات خطرة، انتشار السرقات، الاعتداءات بالسلاح الأبيض، والشعور الدائم بالخوف.
وتقول فاطمة، أم لثلاثة أطفال: “أخاف أن يخرج ابني مساءً… هنا الظلام يخفي الوجوه والسكاكين أسرع من النجدة. نريد فقط شرطة تحمينا، لا أكثر.”
مدينة الهاربين والعشوائية
أكثر من ذلك، يصفها السكان بأنها تحولت إلى ملاذ للهاربين من الأحكام القضائية، بحكم غياب المراقبة الأمنية الدقيقة وتشابك أحيائها. البناء العشوائي الذي غزا القليعة جعل مبانيها متلاصقة بلا هوية، وأزقتها الضيقة فضاء مثالي للاختباء وصعوبة التدخل.
يوسف، شاب في العشرينيات، يلخص الوضع قائلا: “القليعة كبرت أكثر من اللازم، لكننا بقينا غرباء في وطننا، لا مدارس كافية، لا فرص شغل، وحتى الأمن غير موجود… ماذا ننتظر؟
أحداث تكشف الاحتقان

الأحداث الأخيرة لم تكن سوى نتيجة طبيعية لهذا الإهمال وما حدث ليلة 1 أكتوبر، حين حاول عشرات القاصرين اقتحام مركز الدرك، وسقط قتلى برصاص السلاح الوظيفي، لم تكن مجرد واقعة أمنية فقط، بل إشارة قوية على أن الغضب تجاوز عتبة الصبر، ولو أن لاشيء يبرر العنف والتخريب، مع شباب غير متعلم وبلا تكوين وبلا شغل، إنها نفسها المدينة التي خرج شبابها، مثل مدن أخرى، في موجة احتجاجات وطنية تطالب بالحق في التعليم والصحة والشغل، وكان طابعها العام سلمي.
القليعة كمعضلة تنموية وأمنية
التحليل البسيط للواقع يكشف أن القليعة ليست مجرد “استثناء”، بل نموذج متكرر لمدن الهامش التي تنمو خارج الرؤية الإستراتيجية للدولة، ما يحدث فيها ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لسياسات حضرية غير متوازنة، متمثلة في تركيز الاستثمار العمومي في المراكز الكبرى كأكادير والدار البيضاء، وإهمال الضواحي، غياب العدالة المجالية في توزيع البنية التحتية والخدمات الأساسية، التعامل الأمني الظرفي بدل مقاربة وقائية تنموية شاملة.

القليعة اليوم بركان اجتماعي، كل مؤشرات الانفجار متوفرة تهميش متراكم، وعود مؤجلة، وغياب إرادة حقيقية لوضع الإنسان في قلب السياسات العمومية، فهل يحتاج المسؤولون إلى مزيد من الدماء والاحتجاجات حتى يدركوا أن مدن مثل القليعة ليست هوامش بعيدة، بل قلب الوطن الذي ينزف؟
دعوة صريحة
يقول أحد السكان إن تأجيل الحلول أو الاكتفاء بترقيعات ظرفية لن يزيد الوضع إلا سوء، القليعة تحتاج إلى مخطط استعجالي يعيد الاعتبار للأمن، للصحة، وللتعليم، ويربط هذه المدينة فعليا بركب التنمية، وإلا، فإن استمرار الإهمال سيحوّل القليعة إلى بؤرة غضب قابلة للاشتعال في أي لحظة، وصوتها لن يبقى محليا بل سيجد صداه في كل المدن المهمشة.






