
°بقلم بثينة المكودي
بين هول الأرقام وعطالة المؤسسات
كشفت آخر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن أكثر من مليون ونصف شاب مغربي تتراوح أعمارهم بين 15و 24 سنة يوجدون في وضعية “NEET” أي لا يدرسون، ولا يتابعون تكويناً، ولا يزاولون أي عمل، رقم صادم يعكس هشاشة السياسات العمومية الموجهة للشباب، خصوصاً في ما يتعلق بالتأهيل المهني والإدماج في سوق الشغل.
وبالرغم من أن الدولة رصدت برامج عدة تحت عناوين “الإدماج”، و“فرصة”، و“أوراش”، إلا أن المنظومة التكوينية نفسها تبدو غير قادرة على إنتاج الكفاءات المطلوبة، إذ ما تزال الفجوة واسعة بين عروض التكوين وحاجيات المقاولات، وبين مخرجات المراكز وحركية الاقتصاد الجهوي.
سوس-ماسة: جغرافيا واسعة… وبنية تكوينية محدودة
في جهة سوس-ماسة، التي تشهد واحدة من أعلى نسب البطالة في صفوف الشباب القروي والحضري على السواء، لا تتجاوز مراكز التدرج المهني ثلاثة فقط: اثنان في إقليم تارودانت، وواحد يتبع جمعية النهضة بأكادير. وهي أرقام هزيلة مقارنة بحجم الكتلة الشبابية بالجهة التي تضم أكثر من مليون و700 ألف نسمة في سن النشاط الاقتصادي.
الأدهى أن هذه المراكز تعمل بإمكانيات محدودة وتخصصات تقليدية لا تواكب التحولات التي تعرفها الجهة، مثل الانتقال نحو الطاقات المتجددة، والصناعة الغذائية، والسياحة المستدامة، والرقمنة.
وهو ما يجعل الكثير من الشباب يعتبر أن التكوين المهني لا يضمن له سوى شهادة دون قيمة مضافة، فيفضلون الهجرة أو البطالة المقنّعة.
شُعب غير قابلة للتشغيل
يقر عدد من الفاعلين الاقتصاديين بأن جزءاً كبيراً من الشعب التكوينية الحالية غير قابلة للتشغيل فعلياً، إما لأنها لا تستجيب للطلب الحقيقي في السوق، أو لأنها تعتمد مناهج نظرية لا تراعي المهارات التطبيقية.
ففي مهن مثل “الأمانة المكتبية” أو “التنشيط الجمعوي”، يجد الخريجون أنفسهم في مواجهة سوقٍ لا يحتاج إليهم. بينما تبقى قطاعات استراتيجية مثل الصناعة التحويلية، والفلاحة الذكية، والبرمجة، والصيانة الصناعية تعاني من خصاص حاد في اليد العاملة المؤهلة.
تقرير داخلي سابق لمكتب التكوين المهني أشار إلى أن 70% من الشعب المهنية لم تخضع لتحديث منذ أكثر من عشر سنوات، وهو ما يعني أن المؤسسة التكوينية فقدت تفاعلها مع دينامية الاقتصاد الوطني.
من التكوين إلى التمكين
الخبراء يؤكدون أن تأهيل المراكز المهنية لا يكمن فقط في زيادة عددها، بل في إعادة تصميم منظومة التدرج لتصبح قادرة على التنبؤ بحاجيات السوق المستقبلية، وربط التكوين بالمقاولة عبر فترات تدريب إلزامية، وشراكات محلية مع الجماعات الترابية والمقاولات الصغرى.
كما أن الجهة، التي تضم أقطاباً فلاحية وصناعية كبرى (من آيت ملول إلى تارودانت وتيزنيت)، مطالبة بخلق شبكة جهوية لمراكز التدرج التطبيقي، تكون مفتوحة أمام الشباب المنقطعين عن الدراسة، وتوفر لهم مسارات قصيرة نحو التشغيل الذاتي أو الاندماج المهني.
تجدر الاشارة الى ان أكثر من مليون شاب خارج دائرة الإنتاج ليسوا رقما في تقرير، بل طاقة معطلة تهدد التوازن الاجتماعي والاقتصادي للمغرب.
وجهة سوس-ماسة، بما تمتلكه من موارد بشرية وطبيعية، يمكن أن تكون مختبرا وطنيا لنموذج جديد للتكوين المهني قائم على الإدماج والابتكار، شرط أن تُفتح ورشات الإصلاح من القاعدة من التدرج إلى التمكين، ومن الشهادة إلى المهارة.




