الرئسيةميديا وإعلام

الصحافية آمال خليل…الرحيل من قلب النار

في وداع الصحافية آمال خليل التي اغتالتها إسرائيل في جنوب لبنان، لم يكن الحزن وحده سيد الموقف، بل كان الغضب حاضرا أيضا؛ غضب على عالمٍ يترك الصحافيين عرضة للاستهداف، وعلى حربٍ لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تسعى إلى إسكات من يروون الحكاية ويشهدون على الألم.

جريمة مضاعفة تُرتكب في حق الحقيقة ذاتها

لم يعد مقتل الصحافيين مجرد خبرٍ عابر يمر في نشرات المساء، بل صار جريمة مضاعفة تُرتكب في حق الحقيقة ذاتها، واعتداء على الذاكرة والضمير في آنٍ واحد.

وسط هذا الثقل، خيم شعور عارم بالفقد على زملاء الصحافية اللبنانية آمال خليل، التي ارتبط اسمها بتغطية أحداث الجنوب اللبناني، قبل أن تُقتل خلال أداء عملها.

وقد قالت زميلتها في التشييع إن آمال كانت تعرف الجنوب “أكثر من خرائط غوغل”، فيما وصفها أحد زملائها بأنها “ذاكرة الجنوب”.

رحلت آمال (1983) في غارة إسرائيلية استهدفت بلدة الطيري في جنوب لبنان، بينما كانت ترافقها المصورة زينب فرج التي أُصيبت في الحادث.

لم تأتِ آمال على قدميها كما اعتادت

وفي عودتها الأخيرة إلى البيسارية، لم تأتِ آمال على قدميها كما اعتادت، بل محمولة على الأكتاف؛ عودة لا تشبهها ولا تشبه الطريق التي سلكتها طويلا نحو الحكايات، بل تشبه نهاية مباغتة لقصة كانت تُكتب من قلب الخطر، لا من هامشه.

قبل هذه العودة الموجعة، كان الفقد قد سبقها إلى العيون، وترك أسئلة ثقيلة معلقة فوق النعش: كيف لمن كرست حياتها لرواية الموت أن تصبح هي إحدى رواياته؟ وكيف يتحول الصوت الذي كان يكتب الألم إلى صمتٍ كامل؟

في لحظة الوداع، بدا المشيعون وكأنهم يحاولون حماية ما تبقى منها بالكلمات.

قال أحد الصحافيين بمرارة واضحة إن الجسد قد سقط، لكن الفكرة لم تُقتل، وكأنهم يتمسكون بما لا يمكن قصفه: الكلمة، والموقف، والذاكرة.

هكذا تحولت آمال في عيون رفاقها إلى حضورٍ لا يغيب؛ ليست مجرد زميلة رحلت، بل أثر باق وصوت سيظل يتردد كلما كُتبت حكاية عن الجنوب.

كان أحد زملائها يستعيد خطها الأخير: من درعٍ وخوذة تستعيرها لتنجو، إلى نعشٍ يُحمل بصمت.

كانت تعرف، في عمق التجربة، أن أدوات الحماية مهما بدت صلبة، تظل هشة أمام استهداف لا يفرق، وأن الحديد لا يقف في وجه نية القتل حين تُحسم سلفا.

وهكذا انتهت الرحلة، أو هكذا بدا ظاهرها، لكن شيئاً منها بقي معلقا بين الطرقات التي عرفتها، وبين الكلمات التي لم تُكتب بعد. رحلت آمال خليل، تاركة فراغاً واسعا، وسؤالا مفتوحا لا يغلق: قال زملاؤها في المهنة، من يحمي من يروون الحكاية حين تصبح الحكاية نفسها هدفا؟

قال زملاؤها وزميلاتها في وداعها: كانت آمال ابنة الجنوب بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ لا تغطيه من الخارج، بل تعيشه نبضا يوميا، تعرف طرقه كما تُعرف الوجوه، وتحفظ قراه كما تُحفظ الأغاني القديمة. لم تكن تحتاج إلى خرائط لتدلها على المكان، لأن المكان كان يسكنها.

آمال خليل..ذاكرة الجنوب

لهذا قال زملاؤها إنها “ذاكرة الجنوب”؛ ذاكرة تمشي، وتكتب، وتشهد. ومنذ انخراطها في الصحافة، بقيت في الميدان، عند الحافة حيث تتقاطع الحياة مع الخطر، وحيث يصبح الخبر أكثر صدقا لأنه يُنتزع من قلب التجربة.

لم تكن تكتب فقط عن القصف والغارات، بل عن الناس الذين يعيشون تحت ظلها: الأمهات اللواتي يخبئن خوفهن خلف الأبواب، القرى التي تقاوم النسيان كما تقاوم الحرب، والوجوه التي تصر على الحياة رغم كل شيء.

اقرأ أيضا…

الطيري: اسرائيل تغتال الصحافية امال خليل+فيديو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى