الرئسيةمجتمع

تضنيف عالمي صادم..توازن الحياة والعمل بالمغرب، واقع مرّ

في تقرير CEOWORLD 2025، وضع المغرب أمام مرآة عالمية لا ترحم: حل في المرتبة 123 من أصل 196 دولة في مؤشر جودة الحياة المهنية، متقدما بصعوبة على دول تواجه هشاشة اقتصادية وأمنية، هذا التصنيف لا يعكس مجرد أرقام، بل يفضح ساعات عمل مرهقة، نقل يومي شاق، وحماية اجتماعية ناقصة، ليضع العامل المغربي في مواجهة واقع مر بعيد عن النموذج الدولي للعمل اللائق.

 

تحرير: جيهان مشكور

يأتي تقرير مجلة CEOWORLD الأمريكية لسنة 2025 ليضع المغرب أمام مرآة عالمية قلما تُجامل، بعدما حل في المرتبة 123 من أصل 196 دولة محققًا 65.09 نقطة فقط، في تصنيف يقيس ما يفترض أن يكون معيارًا أساسيًا لجودة الحياة المهنية.

يضع هذا الموقع المغرب في الشريحة الدنيا من التصنيف، خلف موريتانيا التي حلت في المرتبة 121، ومتقدمًا بصعوبة على دول تعاني هشاشة اقتصادية وأمنية مثل اليمن وبيرو، مما يكشف حجم الفجوة التي تفصل بين العامل المغربي ونموذج العمل اللائق كما يُعرَّف في المؤشرات الدولية.

منهجية قاسية لا ترحم التفاصيل

يستند التقرير إلى قاعدة بيانات واسعة جمعت آراء وتجارب أكثر من 962 ألف موظف بدوام كامل عبر العالم، وتشمل مؤشرات دقيقة تتعلق بمتوسط ساعات العمل الأسبوعية الذي تجاوز في المغرب 44 ساعة في العديد من القطاعات، وبمدة التنقل اليومي التي تصل في المدن الكبرى إلى ساعة ونصف في الاتجاه الواحد بحسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط، إضافة إلى جودة النوم التي تتأثر مباشرة بساعات العمل المرهقة وغياب المرونة الزمنية، كما يعتمد المؤشر على معدلات الرضا الذاتي عن التوازن بين الحياة والعمل، وهي معدلات لم تتجاوز في المنطقة المغاربية عتبة 50 بالمئة في السنوات الأخيرة.

أوروبا تتربع على القمة… وبقية العالم تحاول اللحاق

في ذات السياق، تواصل الدول الأوروبية هيمنتها الواضحة على صدارة التصنيف العالمي، حيث جاءت سويسرا في المرتبة الأولى بدرجة 97.67 تعكس منظومة عمل مرنة ورفيعة الجودة، تليها فرنسا ولوكسمبورغ اللتان عززتا مكانتهما بفضل سياسات دعم اجتماعي قوية وإجراءات صارمة لحماية وقت المواطن، أما الولايات المتحدة فأحرزت المرتبة 15، بينما جاءت ألمانيا وأستراليا في المرتبتين 17 و18.. و تعطي هذه الأرقام صورة واضحة عن السباق العالمي نحو تحسين شروط العمل باعتباره عنصرًا تنافسيًا لاستقطاب والكفاءات و الاستثمارات .

المغرب بين ضغط المدن وغياب الحماية الاجتماعية

من جهة أخرى، تراجُع المغرب في التصنيف لا يعود إلى مؤشر واحد، بل إلى منظومة كاملة تعاني أعطابًا هيكلية، فحسب التقرير ، يواجه العامل المغربي يومًا مهنيًا طويلًا يتجاوز في قطاعات واسعة 10 ساعات، خاصة في مجالات التجارة، الصناعة، والخدمات، كما يعاني من فترات تنقل مرهقة ناتجة عن توسع حضري غير متوازن وضعف الاستثمار في النقل العمومي، حيث تسجل الدار البيضاء وحدها أكثر من مليون تنقل يوميًا عبر وسائل نقل التي تسجل بدورها عجزًا يفوق %30 عن الطلب، وفق أرقام رسمية.

كما يربط التقرير ضعف التوازن بين العمل والحياة بواقع الحماية الاجتماعية في المغرب، حيث لا تزال نسبة التغطية الاجتماعية والولوج إلى الخدمات الأساسية غير متكافئة، رغم الإصلاحات الجارية في ورش تعميم الحماية الاجتماعية.. ما بجعل العامل المغربي أقل قدرة على تحقيق الاستقرار النفسي والمهني مقارنة بنظرائه في الدول الصاعدة.

انعكاسات اقتصادية لا يمكن تجاهلها

المؤشر لا يكشف فقط هشاشة ظروف العمل، بل يرسم صورة أوسع عن جاذبية المغرب للاستثمار وقدرته على الاحتفاظ بالكفاءات، ففي سوق عالمي يشهد منافسة شرسة، أصبحت مؤشرات التوازن بين العمل والحياة جزءًا من تقييمات الشركات الكبرى قبل اتخاذ قرارات الاستثمار، كما أصبحت عنصرًا أساسيًا في بقاء المهارات عالية التأهيل داخل البلد.. و أي تراجع في هذه المؤشرات ينعكس مباشرة على الإنتاجية وتكلفة الشركات وعلى قدرة الاقتصاد المغربي على التحول نحو نموذج أكثر استدامة.

مغزى التصنيف: دعوة إلى نقاش عمومي لا يمكن تأجيله

التقرير يضع المغرب أمام أسئلة جوهرية تتجاوز حدود الأرقام، فهو يسلط الضوء على واقع يومي يعيشه ملايين العاملين، ويعكس الحاجة إلى إصلاحات متشابكة تشمل النقل العمومي، وتخفيض ساعات العمل الفعلية، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، وتعزيز ثقافة مؤسساتية تحترم وقت العامل وراحته.

وفي عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والديمغرافية، يصبح تحسين التوازن بين العمل والحياة ضرورة اجتماعية واقتصادية وسياسية، لا مجرد رفاهية إحصائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى