اقتصادالرئسية

رقمنة بيع السمك تنطلق من العيون

شهد ميناء المرسى بمدينة العيون، يوم الإثنين 27 أبريل 2026، انطلاقة رسمية لعملية رقمنة بيع الأسماك السطحية الصغيرة بمركز الفرز داخل سوق السمك، وفي مقدمتها السردين، إلى جانب الإسقمري والأنشوبة وأنواع أخرى، في خطوة تحمل رهانات اقتصادية واجتماعية كبرى، خصوصاً في جهة تُعد من أهم الأقطاب البحرية بالمغرب، حيث يمثل قطاع الصيد البحري شرياناً أساسياً للتشغيل والاستثمار والتصدير.

و يأتي هذا التحول الرقمي في سياق وطني أوسع يسعى إلى تحديث سلاسل التسويق البحري، بعد سنوات من الانتقادات التي طالت أساليب البيع التقليدية القائمة على المزايدات الشفوية، وما يرافقها من اتهامات بغياب الشفافية، وتفاوت الأسعار، وهيمنة الوسطاء، وغياب تكافؤ الفرص بين المهنيين.

من المزاد الشفهي إلى الشاشة الرقمية

يعتمد النظام الجديد على آلية رقمية متكاملة لتدبير عمليات البيع والشراء داخل مركز الفرز، بما يسمح بتسجيل المعاملات لحظة بلحظة، وتحديد الأسعار وفق المنافسة الفعلية بين المتدخلين، بدل الصفقات السريعة التي كانت تتم أحياناً خارج منطق العرض والطلب الحقيقي.

وقد جندت الإدارة الجهوية للمكتب الوطني للصيد أطرها ومواردها البشرية لتأطير هذه المرحلة، عبر مواكبة التجار والمهنيين وتكوينهم على استعمال التطبيق الرقمي الجديد، في محاولة لضمان انتقال سلس نحو نموذج حديث للتسويق البحري، و تحمل هذه الخطوة أهمية خاصة إذا علمنا أن المغرب يحقق سنوياً إنتاجاً بحرياً يفوق مليون طن، ويعد السردين من أبرز الثروات الوطنية، إذ يمثل نسبة مهمة من المصطادات البحرية، ويضع المملكة ضمن كبار منتجي السردين عالمياً.

الشفافية مطلب قديم.. والتنزيل هو الامتحان الحقيقي

لطالما اشتكى مهنيون من اختلالات في بعض أسواق السمك، من بينها تفاوت الأثمان بين لحظة الرسو ولحظة البيع النهائي، ووجود حلقات وساطة ترفع الأسعار دون قيمة مضافة حقيقية، لذلك يُنظر إلى الرقمنة باعتبارها أداة لكشف الأسعار الحقيقية، وتوثيق العمليات، والحد من التلاعبات.

و في هذا السياق، أكد الناشط في تجارة الأسماك حمزة التومي أن المرحلة الأولى أظهرت تنافساً واضحاً بين التجار وفق الجودة والكمية، وهو ما خلق دينامية جديدة داخل السوق، غير أن نجاح التجربة لن يقاس فقط بسرعة البيع، بل بمدى انعكاسها على دخل البحارة، وربحية التجار الصغار، ثم على أسعار السمك لدى المستهلك النهائي.

رهان اجتماعي يتجاوز الميناء

ميناء المرسى ليس مجرد فضاء اقتصادي، بل مركز حياة لآلاف الأسر المرتبطة بالصيد والنقل والتبريد والتوزيع والخدمات الموازية، وأي إصلاح حقيقي في هذا القطاع قد ينعكس مباشرة على فرص الشغل والاستقرار الاجتماعي بالمنطقة، لكن الرقمنة، رغم مزاياها، تفرض أيضاً تحديات مرتبطة بتكوين المستخدمين، ومحاربة الأمية الرقمية، وضمان عدم إقصاء الفاعلين الصغار الذين اعتادوا أنماطاً تقليدية في المعاملات.

بداية واعدة.. لكن المعركة لم تنته

ما جرى في العيون خطوة مهمة نحو تحديث تجارة السمك بالمغرب، لكنها ليست نهاية الطريق، فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح الشفافية قاعدة لا استثناء، وعندما يشعر البحار البسيط أن ثروته تباع بثمن عادل، ويقتنع المواطن أن السردين الذي يخرج من البحر لن يتحول في الطريق إلى سلعة مرهقة لجيبه، حينها فقط يمكن القول إن المزاد الرقمي انتصر فعلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى