
انتعاش حذر في سوق الإسمنت… هل بدأ قطاع البناء يستعيد أنفاسه؟
بعد بداية سنة اتسمت بالاضطراب، بدأت مؤشرات قطاع البناء والأشغال العمومية في المغرب تُظهر بوادر انتعاش محدود، عكسته الأرقام المسجلة خلال شهر مارس 2026، حيث ارتفعت مبيعات الإسمنت بنسبة 2.5%، وفق معطيات مديرية الدراسات والتوقعات المالية، ويحمل هذا الانتعاش الطفيف في عمقه دلالات مركبة تتجاوز مجرد حركة ظرفية في السوق، ليعكس تفاعلاً معقداً بين عوامل مناخية واقتصادية واجتماعية أثرت بشكل مباشر على دينامية القطاع.
تأثير العوامل المناخية والزمنية على وتيرة الأوراش
لم يكن التراجع الذي طبع شهري يناير وفبراير مفاجئاً، إذ تزامن مع تساقطات مطرية استثنائية شهدتها مختلف مناطق المملكة، وهو ما أدى إلى تعطيل عدد كبير من الأوراش وتأجيل مشاريع قيد الإنجاز، كما أن تداخل هذه الفترة مع شهر رمضان ساهم بدوره في إبطاء نسق العمل، سواء بسبب تقليص ساعات العمل أو انخفاض الإنتاجية المرتبطة بالخصوصيات الاجتماعية لهذا الشهر، خلقت هذه العوامل مجتمعة حالة من الجمود المؤقت في السوق، انعكست بشكل مباشر على الطلب على مواد البناء، وفي مقدمتها الإسمنت باعتباره المادة الأكثر ارتباطاً بالبناء.
أرقام متباينة تعكس هشاشة التعافي
رغم التحسن المسجل في مارس، تكشف القراءة الشاملة للأرقام عن صورة أقل تفاؤلاً، إذ تراجعت مبيعات الإسمنت خلال الفصل الأول من سنة 2026 بنسبة 10.9% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وهو تراجع حاد يأتي بعد سنة 2025 التي سجلت نمواً إيجابياً بلغ 4.5%، ويعكس هذا التباين هشاشة التعافي، ويطرح تساؤلات حول قدرة القطاع على استعادة وتيرته الطبيعية في ظل تقلبات ظرفية قد تتكرر، سواء بفعل المناخ أو السياق الاقتصادي العام.
الإسمنت كمؤشر استراتيجي لنبض الاقتصاد
لا يُنظر إلى مبيعات الإسمنت كمجرد رقم قطاعي معزول، بل تُعد من أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها المحللون لقياس دينامية الاقتصاد الحقيقي، نظراً لارتباطها المباشر بالاستثمار في السكن والبنية التحتية.. فكل تراجع في استهلاك هذه المادة يعكس بالضرورة تباطؤاً في المشاريع، سواء كانت عمومية أو خاصة، وهو ما قد تكون له انعكاسات على سوق الشغل، خاصة في قطاع يشغل مئات الآلاف من اليد العاملة بشكل مباشر وغير مباشر.
بين الأداء السابق والتحديات الراهنة
و بالعودة إلى أداء سنة 2025، يظهر أن قطاع البناء والأشغال العمومية كان يسير في منحى تصاعدي، حيث سجل نمواً متوسطاً بلغ 5.9%، مقارنة بـ4.9 % سنة 2024، وقد توزعت نسب النمو خلال فصول السنة الماضية بشكل متوازن نسبياً، ما يعكس استقراراً نسبياً في وتيرة الاستثمار، غير أن بداية سنة 2026 كشفت عن هشاشة هذا الاستقرار، وأبرزت مدى تأثر القطاع بالعوامل الخارجية.
في هذا السياق، يبدو أن انتعاش مارس لا يمكن فصله عن عودة تدريجية للنشاط بعد فترة ركود ظرفي، لكنه في الآن ذاته يطرح تحدياً حقيقياً أمام الفاعلين الاقتصاديين وصناع القرار، يتعلق بضرورة تعزيز صمود القطاع أمام الصدمات، وضمان استمرارية المشاريع الكبرى، خاصة في ظل رهانات التنمية الحضرية والبنية التحتية التي يعول عليها الاقتصاد الوطني لتحقيق نمو مستدام.





