
بقلم بثينة المكودي
لم تعد ساكنة “سفوح الجبال” بمدينة أكادير تقبل بسياسة المسكنات، ولا بالحلول التجميلية التي تُسوَّق على أنها “تنمية”، بينما الواقع اليومي يكشف وجهاً آخر من الإقصاء والعزلة والتهميش. فخلال الأيام الأخيرة، خرج السكان إلى الشارع في احتجاجات لافتة، رافعين مطالب واضحة: التهيئة الحقيقية للأحياء، لا صباغة الجدران من أجل الصورة.
“طلاء الواجهات” الذي باشَرته الجهات المعنية ليس سوى قشرة خارجية
رفع المحتجون لافتات تختصر حجم المعاناة، وتفضح المفارقة الصارخة بين ما يُعلن ضمن برامج التأهيل الحضري، وما يُنجز فعلياً على الأرض. فالأحياء، التي تعيش خارج حسابات التخطيط، تعاني من غياب البنيات الأساسية: طرق غير معبدة، شبكة تطهير مهترئة أو منعدمة، ضعف الربط بالماء والكهرباء، وانعدام مرافق القرب التي تُؤسِّس لعيش كريم.
وتقول ساكنة المنطقة إن “طلاء الواجهات” الذي باشَرته الجهات المعنية ليس سوى قشرة خارجية تخفي هشاشة البنيات، وتلميعاً مناسباتياً يهدف إلى تحسين الصورة، لا إلى تحسين الحياة، فالأحياء التي تصبغ جدرانها اليوم، لا تزال تُغرقها الأوحال شتاءً، وتختنق فيها شبكات الصرف صيفاً، ولا تجد فيها الأسر متنفساً سوى الصبر.
المقاربة المعتمدة تُنتج شعور مضاعف بالحيف
وتزيد الساكنة أن المقاربة المعتمدة تُنتج شعور مضاعف بالحيف إصلاحات من فوق، لا تستحضر الإنسان في معاناته اليومية، ولا تُصغي للسكان في أولوياتهم، بل تشتغل وفق منطق “الواجهة” بدل عمق الإشكال. وكأن المدينة تُدار بعين الكاميرا لا بعين المواطن.
أمام هذا الوضع، لا تطالب ساكنة سفوح الجبال بالمستحيل، بل بحقوق بديهية: طرق تحترم كرامة المارّة، تطهير يحفظ الصحة، ماء صالح للشرب، وإنارة العمومية ليست ترفا بل ضرورة، كما تطالب بإنهاء التعامل الموسمي مع أحيائهم، وبدمجها فعليا في النسيج الحضري للمدينة، لا تركها خارج خرائط التنمية.
هل نحن أمام سياسة مدينة فعلاً أم سياسة صورة؟
إن ما يجري في سفوح الجبال بأكادير يحيل على سؤال أعمق: هل نحن أمام سياسة مدينة فعلاً، أم سياسة صورة؟ وهل التنمية تُقاس بعدد اللترات من الطلاء، أم بعدد الملفات الاجتماعية التي جرى حلها؟
الاحتجاج اليوم ليس صرخة عابرة، بل رسالة واضحة مفادها أن السكان سئموا التزيين المؤقت، وينتظرون قراراً حقيقياً يُعيد الاعتبار للأحياء الهامشية كجزء أصيل من المدينة، لا كحافة منسية منها.
ففي المدن، كما في البشر، لا تُقاس القيمة بالشكل… بل بما تحت الجلد.




