
بعد أكثر من أربع سنوات على ما وصفه محمد عبو، السياسي والمرشح الرئاسي السابق ومؤسس حزب التيار الديمقراطي، بـ”الانقلاب الدستوري” في 25 يوليوز 2021، تبدو تونس أمام مفترق حاسم، حيث تتفاقم أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة.
ويصف عبو الوضع بأنه انعكاس لفقدان القانون، وضعف المؤسسات، وتراجع الثقة في القضاء والإدارة، مع انخفاض كبير في الأمل بإصلاحات حقيقية.
استحواذ السلطة وتعطيل مؤسسات الدولة
يشير عبو في حوار مباشر مع “الجزيرة مباشر” من تونس، إلى أن الإجراءات الاستثنائية التي بدأت في إطار الفصل 80 من الدستور تحولت تدريجياً إلى استحواذ كامل على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما في ذلك صياغة دستور جديد وتنظيم انتخابات شكلية تحت السيطرة المباشرة للرئاسة.
زاعتبر المتحدث ذاته، أن هذا التركيز للسلطة يمثل قطيعة مع مكتسبات الثورة ودولة الاستقلال، ويعيد إنتاج أسوأ ممارسات الماضي بأسلوب أكثر صرامة، مما يعمق الأزمة السياسية ويزيد من عزلة تونس داخلياً وخارجياً.
القضاء والسيادة القانونية
يبرز محمد عبو في الحوار ذاته، أن القضاء فقد استقلاله عملياً منذ 2021، وأصبحت محاكمات الفساد أداة لتصفية الخصوم السياسيين، مما أدى إلى تدمير الثقة في الدولة ومؤسساتها.
ويصف الوضع الحالي بأنه أخطر بكثير مما سبق، حيث أصبح القضاء خاضعاً للتهديد والترهيب، وفقدت المؤسسات كافة مقومات الرقابة والمساءلة.
لا يعفي عبو النخب السياسية من المسؤولية، معتبرا أن جزءاً منها ساهم في تمهيد الطريق لما جرى عبر صمتها أو دعمها لسياسات خاطئة، سواء قبل أو بعد 25 يوليوز.
ويشير إلى أن الأزمة ليست محصورة في حزب بعينه، بل تتعلق بأمراض بنيوية تشمل الفساد، المال السياسي، والإفلات من العقاب، وهي تهدد استقرار الديمقراطية نفسها.

توقعات مستقبلية
بحسب عبو، استمرار الوضع الحالي على حاله لا يمكن أن يدوم طويلا، مشيرا إلى احتمال ظهور حركات احتجاجية أو تحركات شعبية غير متوقعة، كما حدث في 2010، في حال استمرار تدهور الأوضاع.
ويمثل غياب مؤسسات قوية وسيادة القانون عاملاً أساسياً يزيد من احتمالات الانفجار الاجتماعي والسياسي، خاصة مع تزايد الاستياء الشعبي من الوضع الاقتصادي المتردي.
مسار داخلي-تونسي:
يدعو عبو إلى أن يكون الحل تونسياً، عبر بناء رأي عام واسع يضغط لإنهاء “العبث بالدولة” وإعادة المسار الديمقراطي على أسس سليمة.
تهدئة السلطة الحالية: يمكن أن يشكل خروج الرئيس من السلطة بطريقة منظمة، مع إطلاق الحريات وتنظيم انتخابات حقيقية ونزيهة، خياراً عملياً لتجنب الانهيار الشامل.
إصلاح القضاء والإدارة: إعادة استقلال القضاء وتعزيز الحوكمة الإدارية ضرورة استراتيجية لإعادة الثقة في الدولة وتهيئة البيئة للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
مواجهة الأمراض البنيوية: تتطلب معالجة الفساد والمال السياسي والإفلات من العقاب جهوداً متواصلة، بعيداً عن الانتقام السياسي لأي طرف، لضمان عدم إعادة إنتاج نفس الممارسات مستقبلاً.
قراءة استراتيجية
من منظور تحليلي، يوضح عبو أن تونس تواجه لحظة فاصلة بين استمرار الأزمة الحالية أو إعادة مسار الانتقال الديمقراطي.
ويبدو أن الضغط الشعبي، بجانب وعي النخب السياسية بمخاطر استمرار الانسداد، سيكون العامل الحاسم لتحديد شكل المرحلة المقبلة.
وفي غياب أي إصلاح حقيقي، فإن احتمالات مزيد من الانعزال الداخلي والخارجي، وتصاعد الاحتقان الاجتماعي، تظل مرتفعة.

السلطة في تونس تحاكم خصومها
هذا، و أثارت أحكام وصفت بالعالية، صدرت عن محكمة تونسية في قضية ما تعرف بـ”التسفير”، جدلا وانتقادات حقوقية وسياسية اعتبرت المحاكمة فاقدة لكل مقومات النزاهة وسياسية بامتياز للتنكيل بالمعارضين، وهو ما رفضته السلطات التونسية معتبرة أن القضاء في تونس مستقل والمحاكمة جنائية خالصة.
وقضت دائرة مكافحة الإرهاب لدى محكمة تونس الابتدائية بالسجن ب34 سنة على القيادي ورئيس الحكومة الأسبق علي العرضي فيما يعرف بقضية “التسفير”.
كما أصدرت المحكمة أيضا أحكاما أخرى بالسجن تجاوزت في أغلبها 30 عاما بحق عدد آخر من المتهمين في القضية نفسها.
وفي تعليقه على هذه المحاكمات، اتهم عضو الهيئة التنفيذية لـ”جبهة الخلاص الوطني”، سمير ديلو السلطة السياسية في توني بأنها تحاكم خصومها، وقال إن ما تعرف بقضية “التسفير” وكذلك ما تعرف بقضية “المؤامرة” لم تتوفر فيهما أبسط شروط المحاكمة، بدليل أن حضور المتهمين أمام القاضي لم يعد مضمونا.
ويذكر أن الدائرة الجنائية الخامسة المختصة في قضايا الإرهاب بتونس كانت أصدرت حكمها فيما يعرف بقضية “التآمر” على أمن الدولة الداخلي والخارجي، كبرى القضايا السياسية في تونس بعد انقلاب 25 يوليوز 2021. وشملت الأحكام 40 “متهما”، وتراوحت ما بين 8 و66 سنة سجنا.





