
في وتر وروح واحدين..”اللوطار” الذي تكلم برويشة
محمد رويشة، ابن جبال خنيفرة، ارتبط بالأرض منذ نعومة أظافره، بنغمات الطبيعة وتلال الأطلس، وبروح المغرب بكل ألوانه وتاريخه، في صوته الأمازيغي والعربي، تنبض لغتان بحياة واحدة، تحكي قصة الإنسان، الحب، الغربة، والزمن الذي لا يرحم.
منذ الثانية عشرة من عمره، اكتشف رويشة حب العمر: آلة لوطار. كانت له كما لو كانت شريكًا صامتًا، تتحدث بالأوتار، وتغني مع صوته عن أسرار الأرض والإنسان.
أضاف لها الوتر الرابع، ليخلق صوتًا نادرًا، يمزج بين الدفء والعمق، بين الرقة والقوة، بين التراث والابتكار.
غناؤه يعكس أوجاع الزمان ولحظات الفرح

في موسيقاه، نجد الطبيعة المغربية: هواء الجبال، جريان المياه، دفء الشوارع، وانسياب الألوان في السماء.
وغناؤه يعكس أوجاع الزمان ولحظات الفرح، كما في أغنيته الخالدة «إناس إناس»، حيث التكرار البسيط يحمل آلام الزمان وقوة التحمل:
«إناس إناس، إناس إناس، مايريخ أداسيخ إزمان» –
«قل له… قل له… ماذا نصنع أمام قسوة هذا الزمان؟»
رويشة غنى عن الحب، عن الأم، عن الغربة، عن الزمن، وعن الإنسان الذي يسعى لنبض الحياة. أغانيه مثل «سمحيلي يا لميمة» و «قولوا لميمتي تجيني»، و«بيبيو سغوي»، كانت مرايا صافية لمشاعره، وروح أمازيغية صافية تعانق الحنين والوجد.
وصلت موسيقاه وأغانيه إلى آفاق أبعد من جبال الأطلس وبيوت خنيفرة، لتسافر مع المستمعين حول العالم.
وظفها وأعاد غنائها الفنان المصري حمزة نمرة، الذي قدمها في العديد من مدن أوروبا، فاستطاع من خلال صوته أن ينقل إحساس رويشة وعمق الأغنية إلى جمهور جديد، عبر المنصات الرقمية والمهرجانات الدولية،
وجد صوته طريقه إلى قلوب الناس الذين لم يعرفوا اللغة الأمازيغية من قبل، لكنهم فهموا المشاعر والحنين والوجدان.
أصبح نغم لوطار وصوته الرخيم لغة عالمية، تتجاوز الكلمات لتصل إلى الروح مباشرة.
حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ظل رويشة ملتزمًا باللوطار، يحتضن أوتارها ويستمد منها الحياة والراحة والحنان.
لم يبتعد عن الموسيقى ولا عن التراث، بل عاش في كل يوم كأنه آخر يوم ليحكي به نغمة، ويغني بها روح الأرض والإنسان.
محمد رويشة لم يكن مجرد فنان؛ كان شاعرا بالأوتار، صانعا للنغم، ورفيق قلوب استمعت له وذابت في صوته.
في كل وتر من لوطار، في كل كلمة من أغانيه، وفي كل لحظة صمت ونغم، يظل الحضور خالدًا، كما لو أن الأطلس نفسه يعزف ويغني معه، ويمتد صدى صوته إلى ما بعد الزمان.
اقرأ أيضا…





