
إخباري تحليلي..ماذا يعني سيطرة ترامب على فنزويلا؟
في أقل من عام منذ وصوله الثاني للبيت الأبيض، نفذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضربات عسكرية في ست دول مختلفة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
شملت هذه الضربات العسكرية، إيران، ونيجيريا، واليمن، والعراق، وسوريا، والصومال، ومع هذه السلسلة من التدخلات، يبدو أن إدارة ترامب قد وسعت مجال نفوذها ليصل إلى نصف الكرة الغربي، عبر العملية العسكرية الأخيرة التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى نيويورك للمثول أمام محكمة فدرالية بتهمة “الإرهاب والاتجار في المخدرات” وتهم أخرى.
إن هذه العملية الأخيرة، تمثل علامة فارقة على نحو غير مسبوق في السياسة الأمريكية على الأقل الحديثة، خاصة أن ترامب، على مدار تاريخه السياسي منذ حملة 2016، انتقد الانخراط الأميركي في الحروب الطويلة وفشل ما يسمى بـ”بناء الدول”، كما حدث في العراق وأفغانستان، ولكنه في الوقت نفسه لم يتردد في تغيير رأس النظام في فنزويلا، ويهدد بالتحرك ضد كوبا وكولومبيا.
أبعاد السيطرة على فنزويلا
ما يعنيه “وضع يده على فنزويلا وثرواتها” يمتد على عدة مستويات:
اقتصاديا واستراتيجيا:
فنزويلا تمتلك أكبر احتياطات النفط المؤكدة في العالم، فضلا عن موارد طبيعية هائلة مثل الذهب والماس، وإمكانات هائلة في الغاز الطبيعي، وهو ما يعني أن السيطرة على هذه الموارد ليست مجرد صفقة اقتصادية؛ بل وسيلة لتحويل الدولة إلى لاعب رئيسي في أسواق الطاقة العالمية، ولتأمين مصالح الشركات الأميركية الكبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون وغيرها، كما يظهر النزاع حول إقليم إسيكيبوا المتنازع عليه مع غيانا.
سياسيا ودبلوماسيا:
اعتقال مادورو يرسل رسالة قوية ليس فقط لفنزويلا، ولكن لكل الدول المحاذية والقوى الإقليمية الكبرى مثل الصين وروسيا وإيران، بأن واشنطن مستعدة للتدخل المباشر في نصف الكرة الغربي، وأن إدارة ترامب لا تلتزم بالقواعد التقليدية للقانون الدولي إذا اقتضت مصالحها الاستراتيجية ذلك.
أمنيا وعسكريا:
وجود أسطول أمريكي قبالة السواحل الفنزويلية، ودعم القوات الخاصة، لا يقتصر على حماية الاستثمارات النفطية فقط، بل يخلق نفوذا عسكريا مباشرا في قلب أميركا اللاتينية، ويغير موازين القوى الإقليمية، ويجمد أي مطالب فنزويلية قديمة على أراضي غيانا، ما يعزز من قدرة واشنطن على إدارة النزاعات وفق مصالحها.
ترامب والنظام الدولي: تجاوز القواعد العالمية
ما يفعله ترامب في فنزويلا ليس مجرد مسألة نفط أو نفوذ إقليمي، بل يتصل برؤيته لإعادة تشكيل النظام العالمي ذاته. فترامب أعلن انسحاب الولايات المتحدة من 66 دولة واتفاقية دولية، وأكد أنه لا يحتاج إلى الالتزام بالقانون الدولي، وأن ما يوقفه فقط هو ّضميره” .
هذا يعني أن:
القانون الدولي لم يعد معيارا ملزما: أي تحرك أميركي يمكن أن يتجاوز السيادة الوطنية لأي دولة إذا رأت واشنطن مصالحها الاستراتيجية مهددة.
إعادة كتابة قواعد النفوذ العالمي: السيطرة على فنزويلا تمثل نموذجا لإعادة تعريف دور الولايات المتحدة في النظام الدولي، حيث تصبح القوة والقرار الأميركي المباشر معيارا بديلا عن القوانين والمعاهدات.
تهديد للتوازنات الإقليمية والدولية: هذه الرؤية قد تشجع القوى الكبرى الأخرى على تبني سياسة “القوة فوق القانون”، مع انعكاسات محتملة على استقرار النظام العالمي والحدود القانونية بين الدول.
الانقسام الداخلي الأميركي
في مستوى اخر، الخطوة لم تمر من دون صدى داخلي كبير، فحتى داخل قاعدة ترامب وأنصار تيار “ماغا”، ثمة انقسامات حادة. بعضهم يعارض أي تدخل عسكري خارجي بدون سبب واضح، بينما يرى آخرون أن الدعم الذي كان مادورو يقدمه لأعداء أميركا يستدعي تحركا حازما.
إن هذا الانقسام يعكس الصعوبة التي تواجهها إدارة ترامب في تبرير التدخلات العسكرية أمام الرأي العام الأميركي، ويطرح تساؤلات حول استدامة هذه السياسة على المدى الطويل.
تأثير على القوى الكبرى:
الصين وروسيا وإيران: إن هذه الدول، التي كانت تعتبر فنزويلا نقطة نفوذ لها في أميركا اللاتينية، تواجه تحديا مباشرا. فقد يؤدي التدخل الأميركي إلى تقليص قدرتها على التحرك بحرية، ويجبرها على إعادة النظر في استراتيجياتها، سواء عبر محاولة استعادة النفوذ السياسي والاقتصادي، أو عبر تعزيز نفوذها في مناطق أخرى لمواجهة الولايات المتحدة.
أوروبا الغربية: ترامب يدعو هذه الدول صراحة إلى الانضمام إلى سياساته، وإلا فإنها ستواجه تبعات سيطرة أميركية مباشرة على الأسواق والموارد، إن هذا الموقف يضع حلفاء واشنطن التقليديين أمام خيار صعب: إما تأييد الإدارة الأميركية في التدخلات العسكرية، أو التعامل مع واقع دولي أكثر صداما وتنافسا، و اضطرابا اقتصاديا هائلا يدخله في اللايقين.
تأثير على السلام العالمي:
نحن أمام تهميش القانون الدولي واعتبار القوة الأميركية مقياسا للشرعية وهو ما يهدد التوازن الدولي، حيث إذا أصبح تجاوز السيادة الوطنية معيارا مقبولا، فإن ذلك يخلق سابقة خطيرة، ليس فقط في أميركا اللاتينية، بل على مستوى العالم، تتحول معه النزاعات المستقبلية إلى صراعات مفتوحة، بينما المؤسسات الدولية ستفقد تدريجيا قدرتها على ضبط التصرفات العدائية للدول الكبرى.
الاستنتاج الأولي:
السياسة الأميركية تجاه فنزويلا ليست مجرد صفقة نفطية أو صراع إقليمي، بل محاولة لإعادة رسم النظام العالمي وفق رؤى القوة المطلقة، مع أدوات اقتصادية وعسكرية وسياسية مباشرة.
هذه السياسة قد تمنح واشنطن نفوذا هائلا على المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب لصراعات جديدة، تحديات أمام القانون الدولي، وانقسامات داخلية وخارجية عميقة.
فالعالم، في حال استمرار هذا النهج، سيشهد اختبارا حقيقيا لقدرة المؤسسات الدولية على حماية السلام والاستقرار، وسط سياسة تقوم على القوة والضمير” الشخصي”، -كما صرح ترامب نفسه- وليس على القواعد العالمية المتفق عليها.
اقرأ أيضا…
المصدر: وسائل إعلام





