
°تحرير: جيهان مشكور
حسب مذكرة المندوبية السامية للتخطيط عن الظرفية الاقتصادية للفصل الثالث 2025.. من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الوطني ب 4.2% في الفصل الأول 2026، مقارنة بـ4% سابقاً، هذا التسارع الزائف ليس انتعاشاً، بل اعتراف بانهيار الصادرات أمام عواصف خارجية، مع رهان مهين على المطر والخدمات لإنقاذ ما تبقى من صمود داخلي.
مطر السماء أم دعم الدولة: من ينقذ القرويين؟
تدفع الفلاحة والخدمات النمو بـ+2.9 نقطة، مستندة إلى تساقطات مطرية تراكمية بنسبة 57% في الشهرين الأولين من موسم 2025/2026، مع استمرار الدعم العمومي للفلاحين.. لكن هذا يُشبه مقامرة إلهية في بلد عانى انكماشاً فلاحياً بنسبة -3.3% في 2024، حيث تظل تساقطات الشتاء ومارس حاسمة كالسيوف المعلقة..
و فيما يفترض دعم مداخيل الأسر القروية فإن الواقع يعكس غرق هذه الفئة في فقر موسمي، بينما يُحَوَّل الدعم إلى مسكن مؤقت يُخْفِيْ إفلاس السياسات الهيكلية، فالاقتصاد لا يُبْنَىْ على أمطار عابرة بل على تنويع يُعَدُّهُ المناخ خارج حساباته.
الخدمات والبناء… حركة داخلية بلا أفق خارجي
قطاع الخدمات يواصل لعب دور الوسادة التي تمتص الصدمات، فيما يستعيد البناء أنفاسه بنمو يناهز 3,4 في المائة، مدفوعا بالأوراش العمومية.. غير أن هذا النشاط، رغم أهميته الاجتماعية، يظل قليل الأثر على التنافسية طويلة الأمد، خاصة حين يكون معزولا عن قاعدة صناعية قوية.
الصناعة… الحلقة الأضعف في زمن العواصف العالمية
في حين تكافح الصناعة التحويلية بـ+3.1% تحت وطأة الطلب الخارجي المتعثر، مع انهيار الصادرات إلى +3.9% سنوياً مقابل متوسط +10.4% في السنوات الخمس الماضية، تحت ضغط الرسوم الجمركية الأمريكية، و المنافسة الصينية الشرسة، إضافة إلى آلية تعديل الكربون الأوروبية، وتشريعات فرنسية تُقْصِيْ ترحيل الخدمات – كلها تُدْفَعُ الصادرات نحو الهاوية، مُفَاقِمَةً عجزاً تجارياً يُهَدِّدُ ببطالة شبابية تُحَوِّلُ الشباب إلى جيش في الخدمات غير المنتجة..
هذا ليس نمواً، بل هجرة اقتصادية تُدَفْعُ بها سياسات خارجية لا نملكها، بينما يُثْقِلُ الدين العام كاهل الأجيال.
طلب داخلي مُسْكِنْ: طرق للنخبة وفقر للقرى
تقدّم الاستهلاك بنسبة 3.9% والاستثمار بـ+9.8% مدفوعاً بإنفاق عمومي هائل على البنيات التحتية، في سياق نمو فصل ثالث 2025 بنسبة 5.7%.. رقم جميل على الورق، لكن هذا الطلب الداخلي يُعْمِقُ التفاوت: المدن تتزيَّنُ بطرق ومشاريع بأموال الضرائب، بينما القرى تُجَوْبُْ بدورة فقر موسمي وعجز حساب جاري يُقَدَّرْ بـ1.9% من الناتج المحلي في 2026.. ليظهر جليا ان الإنفاق العمومي ليس صُمُوداً، بل إدماناً على الديون يُفَرِحُ النخبة ويُذَلُّ الشعب.
توازن دقيق أم رقصة على بركان سياسي؟
تُقِّر مذكرة المندوبية بشكل غير مباشر بأن النمو المرتقب يقوم على “توازن دقيق” بين مخاطر خارجية متصاعدة ودعامات داخلية ظرفية، لكن التباطؤ الصناعي والقيود الأوروبية تُنْذِرْ بمزيد من العجز، فبعد عقود من الوعود، هل نعيد الرهان على المطر والإنفاق دون إصلاح جذري؟ هذا ليس اقتصاداً، بل إنذار سياسي يُطَالِبْ بثورة في الرؤية قبل أن يغرق الوهم الجميع.
في المحصلة، نحن أمام نمو “مقبول حسابيا”، لكنه مقلق استراتيجيا. نمو يراهن على السماء، ويعوض ضعف الصناعة بانتعاش الاستهلاك، ويؤجل الأسئلة الكبرى حول النموذج التنموي الحقيقي.. أما السخرية المؤلمة، فهي أن الاقتصاد المغربي ما زال، في 2026، يحتفل بنسبة نمو لا تزال دول صاعدة تعتبرها أزمة، لا إنجازا.





