اقتصادالرئسية

إخباري تحليلي: تحرير أسعار المحروقات…أرباح فاحشة وهيمنة مستمرة

كشف مجلس المنافسة، في تقرير تتبع تنفيذ التعهدات المبرمة مع شركات توزيع الغازوال والبنزين بالجملة برسم الربع الثالث من سنة 2025، أن رقم معاملات الشركات التسع الكبرى بلغ 18,91 مليار درهم، مسجلا انخفاضا بنسبة 6,2 في المائة مقارنة بـ20,16 مليار درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2024.

احتفظت الشركات ال9 بـ70 في المائة من شبكة محطات الخدمة

ورغم هذا التراجع المالي، أظهر القطاع دينامية لافتة على مستوى الحجم، حيث بلغت مبيعات الغازوال والبنزين 1,98 مليار لتر، بزيادة 4,2 في المائة عن السنة السابقة، مع استمرار هيمنة الغازوال بنسبة 84 في المائة من حيث الحجم و82 في المائة من حيث القيمة.

كما سجل عدد الشركات الحاصلة على رخص توزيع المواد البترولية السائلة ارتفاعا طفيفا، من 38 إلى 39 شركة بين يونيو وشتنبر 2025، ما يشير إلى دخول فاعل جديد إلى السوق.

في المقابل، ظل توزيع الحصص السوقية على حاله تقريبا، إذ احتفظت الشركات التسع المعنية بـ70 في المائة من شبكة محطات الخدمة، أي 2563 محطة من أصل 3663 محطة نشيطة.

وتؤكد معطيات التقرير أن محطات الخدمة تستحوذ على 73 في المائة من إجمالي مبيعات المحروقات، ما يعزز موقع المجموعات الكبرى، التي تتحكم في أغلب هذه الشبكات وتديرها بشكل مباشر أو عبر التفويض التجاري.

 تركز السوق يحدد قواعد اللعبة

تطرح هذه الأرقام مفارقة مركزية: ارتفاع في حجم الاستهلاك يقابله تراجع في رقم المعاملات. ويعود ذلك إلى تأثير تقلبات الأسعار الدولية وانخفاض متوسط أسعار النفط خلال جزء من سنة 2025، لكن الأهم يكمن في بنية سوق توزيع الوقود في المغرب.

فرغم ارتفاع عدد الفاعلين المسجلين رسميا، فإن البنية الاقتصادية للسوق لا تزال قائمة على تركز قوي داخل دائرة محدودة من الشركات التي تهيمن على شبكات التوزيع، وتهيئ شروط المنافسة، وتتحكم عمليا في القنوات الأساسية للبيع.

ويعني امتلاك تسع شركات لـ70 في المائة من محطات الخدمة أن بقية الشركات، رغم حصولها على تراخيص، تواجه صعوبات في الولوج إلى السوق أو تطوير شبكات توزيع فعالة، ما يقيّد قدراتها التنافسية ويجعل السوق أقرب إلى نموذج “منافسة محدودة” منه إلى سوق مفتوح.

خيار تحرير أسعار المحروقات لم يؤد في الواقع إلى إنعاش التنافسية

تبين معطيات مجلس المنافسة أن خيار تحرير أسعار المحروقات، الذي رُوج له كآلية لتحفيز المنافسة وخفض الأسعار، لم يؤد في الواقع إلى إنعاش التنافسية داخل السوق.

فبدل بروز تنافس حقيقي بين الشركات، رسخ التحرير، في غياب شروط ضبط فعالة، وضعاً استغلته المجموعات الكبرى لتنسيق سياساتها التجارية بشكل يجعل الأسعار متقاربة بشكل ثابت، ما فتح المجال أمام تفاهمات سلوكية أدت من جهة إلى شرعنة الاحتكار البنيوي ومن جهة ثانية إلى تراكم أرباح استثنائية خلال فترات تقلب الأسعار الدولية.

وهكذا أضحى التحرير، في غياب شروط منافسة عادلة وتوزيع متوازن لشبكات التوزيع، عاملا مكن الشركات المسيطرة من تعزيز هيمنتها بدل دفعها للابتكار أو خفض هوامش الربح، ما يعيد طرح سؤال جوهري حول نجاعة النموذج الحالي وقدرته على حماية المستهلك وضبط سوق تُعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيرا على الاقتصاد الوطني.

لوبيات قوية… ومجلس منافسة محدود التأثير

وتزيد محدودية تدخلات مجلس المنافسة، سواء بسبب الإطار القانوني أو بفعل قوة لوبيات المحروقات وقدرتها على الضغط، من تعقيد الوضع، إذ لم تُفضِ إجراءات المتابعة والصلح إلا إلى تغييرات شكلية لم تمس جوهر البنية الاحتكارية للسوق.

هذا الضعف المؤسساتي في مواجهة الفاعلين الكبار سمح باستمرار نفس قواعد اللعبة، وترك المجال مفتوحا أمام رسوخ تفاهمات سلوكية وتراكم هوامش ربح مرتفعة، رغم تحرير الأسعار ورغم توسع عدد الشركات المرخصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى