
° تحرير: جيهان مشكور
لم يعد الاتصال في المغرب مجرد خدمة تكنولوجية، بل تحوّل إلى مرآة تعكس مفارقات عميقة بين الأرقام الرسمية اللامعة وواقع اجتماعي واقتصادي مثقل بالتناقضات.. فحسب التقرير الأخير الصادر عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية، تجاوز عدد مشتركي الهاتف المحمول 66,1 مليون مشترك، بمعدل انتشار بلغ %166، وهو رقم غير مسبوق يضع المغرب نظريًا في مصاف الدول الأكثر “اتصالًا” في العالم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن فعلًا مجتمع متصل، أم مجرد مستهلكين مفرطي الاشتراك في خدمات لا تعكس بالضرورة جودة الحياة الرقمية؟
هواتف أكثر من المواطنين… والواقع أقل من الطموح
عندما يتجاوز عدد خطوط الهاتف عدد السكان بهذا الفارق الكبير، فنحن لا نتحدث فقط عن تطور تكنولوجي، بل عن ظاهرة اجتماعية واقتصادية مركبة.. فمعدل الانتشار الذي قفز من 133,5 في المائة سنة 2019 إلى 166 في المائة عند متم شتنبر 2025، يكشف من جهة توسعًا سريعًا في سوق الاتصالات، لكنه من جهة أخرى يفضح هشاشة أنماط الاستهلاك، حيث يمتلك الفرد الواحد شريحتين أو ثلاثًا، أحيانًا بدافع العروض التجارية، وأحيانًا هربًا من ضعف التغطية أو رداءة الخدمة، وهو ما تؤكده الزيادة المتواضعة في الحظيرة بنسبة 1,5 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، بعد 5,1 في المائة السنة الماضية، في إشارة إلى بداية تشبع السوق بدل تحسن نوعي حقيقي.
الإنترنت… انتشار قياسي وجودة محل تساؤل
الأمر لا يختلف كثيرًا بخصوص الإنترنت، الذي تجاوز عدد مشتركيه 43,4 مليون مشترك، بمعدل انتشار قياسي بلغ 117,9 في المائة، مقابل 74,1 في المائة فقط سنة 2019.
ظاهريًا، يبدو الرقم مبشرًا، خاصة في سياق حديث رسمي متكرر عن الرقمنة، والإدارة الإلكترونية، والاقتصاد الرقمي، غير أن هذا التوسع الكمي يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا، حيث لا تزال سرعات الاتصال ضعيفة في مناطق واسعة، وتظل الفجوة الرقمية قائمة بين المدن الكبرى والمناطق القروية، بل وحتى داخل المدينة الواحدة.
اقتصاد رقمي بلا عدالة رقمية
التقرير يشير إلى أن نمو حظيرة الإنترنت لم يتجاوز %3,1 خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، مقابل %6,5 السنة الماضية، ما يعكس تباطؤًا مقلقًا, هذا التباطؤ لا يمكن فصله عن ارتفاع كلفة الاشتراك مقارنة بالقدرة الشرائية للمغاربة، حيث تبتلع فواتير الاتصالات جزءًا معتبرًا من دخل الأسر، دون مقابل يرقى إلى مستوى الأسعار.. وهنا يتحول الاتصال من رافعة للتنمية إلى عبء إضافي، ومن أداة لإدماج الشباب في الاقتصاد الرقمي إلى مجرد وسيلة للترفيه والاستهلاك السلبي.
سياسة الأرقام أم أرقام السياسة؟
تطرح هذه المعطيات في العمق، سؤال الحكامة والسياسات العمومية في قطاع استراتيجي بامتياز، فالتنافس بين الفاعلين ينعكس أساسًا في الحملات الإشهارية والعروض المؤقتة، أكثر مما ينعكس في تحسين البنية التحتية أو خفض الأسعار بشكل مستدام.. وبينما تُسوق الأرقام الرسمية كدليل على “نجاح النموذج”، يغيب النقاش الحقيقي حول جودة الخدمة، وعدالة الولوج، ودور الدولة في تنظيم سوق يحقق التوازن بين الربح الاقتصادي والحق الاجتماعي في الاتصال.
خلاصة المفارقة الرقمية
وفق الأرقام،المغرب بلد يفيض بالهواتف والاشتراكات، لكنه وفق الواقع، لا يزال يبحث عن اتصال ذكي وعادل وذي جدوى اقتصادية. فالتحدي لم يعد في رفع معدلات الانتشار، بل في تحويل هذا الزخم الرقمي إلى قيمة مضافة حقيقية، تخلق فرص الشغل، و تقلص الفوارق، وتمنح للمواطن أكثر من مجرد شريحة إضافية وخط إنترنت بطيء، وفي انتظار ذلك، ستظل الأرقام تتضخم… فيما الأسئلة الجوهرية بلا إجابة.




