الرئسيةسياسة

وقفة وطنية للمحاميين: الاستقلالية في قلب الخلاف

لم يكن شلل محاكم المغرب، الناتج عن التوقف الشامل للمحامين عن تقديم خدماتهم المهنية، مجرد إجراء احتجاجي عابر، بل شكل لحظة فارقة في مسار العلاقة بين مهنة المحاماة والسلطة التنفيذية. فتعطل الجلسات وتأجيل الملفات وتعليق السير العادي للعدالة، يعني عمليا المساس بحق التقاضي، ويكشف أن الخلاف القائم تجاوز حدود النقاش المهني ليبلغ مستوى التحذير من المساس بأسس العدالة واستقلال أحد أركانها الدستورية.

في هذا السياق، دعا رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، الحسين الزياني، إلى الانخراط المكثف في الوقفة الوطنية المقررة يوم الجمعة 6 فبراير الجاري بالرباط، احتجاجا على الصيغة الحالية من مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.

الوقفة “ليست فعلا احتجاجيا عاديا”

وأوضح الزياني، في بلاغ صادر عن الجمعية، أن هذه الوقفة “ليست فعلا احتجاجيا عاديا، ولا تعبيرا عن مطلب فئوي ضيق”، بل تشكل محطة مهنية ووطنية للدفاع عن استقلال المحاماة، وصون رسالة الدفاع، وحماية حق المواطن في محاكمة عادلة، في انسجام تام مع الدستور والمعايير الدولية، وبما ينسجم مع مكانة المحاماة كركن أساسي من أركان العدالة.

وأكد رئيس الجمعية أن هذه المحطة تعكس التزام المحاماة المغربية بقيم الرقي المهني والانضباط، وتُجسد تلاحم الجسم المهني ووحدة كلمته، مشددًا على أن الدفاع عن حقوق الوطن والمواطن يظل “مهمة ثابتة لا تتزعزع”، مهما بلغت كلفة التصعيد.

مستجدات مشروع القانون: إعادة هندسة الولوج والممارسة

يتضمن مشروع القانون رقم 66.23 عدة مستجدات وُصفت بالهيكلية، من أبرزها اعتماد شروط جديدة لممارسة المهنة، وفتح المجال أمام المحامين الأجانب، إلى جانب منع التظاهر داخل المحاكم أثناء انعقاد الجلسات.

كما يقترح المشروع الانتقال من نظام الامتحان إلى نظام المباراة لولوج المهنة، مع تقليص السن الأقصى للترشح من 45 إلى 40 سنة، بدعوى التحكم في أعداد الوافدين وتحسين جودة التكوين واستقطاب الكفاءات.

وعلى مستوى التكوين، ينص المشروع على اشتراط شهادة الماجستير في الحقوق لاجتياز مباراة الولوج، ثم الخضوع لتكوين نظري لمدة سنة بمعهد خاص، يعقبه تدريب مهني لمدة سنتين تحت إشراف هيئة المحامين، بدل النظام المعمول به حاليًا القائم على الليسانس والتدريب لثلاث سنوات.

اعتراضات المحامين: الاستقلالية في قلب الصراع

في المقابل، يعترض المحامون على عدد من المواد التي يرون أنها تمس باستقلالية المهنة وبالمكتسبات التي راكمتها عبر عقود. ويأتي في مقدمة هذه الاعتراضات نقل بعض اختصاصات مجلس الهيئة إلى جهات خارج التنظيم المهني، وإلزام النقيب والمجلس بتبليغ وزارة العدل بعدد من قراراتهم، وهو ما تعتبره الهيئات تكريسًا لتبعية مرفوضة للسلطة التنفيذية.

كما ينتقد المحامون تقليص مهام المحامي بدل توسيعها، والسماح للمحامين الأجانب بممارسة المهنة دون الخضوع لنفس الشروط المعمول بها في المغرب، مع إمكانية الترخيص لهم بفتح مكاتب دون استشارة نقيب الهيئة، بما يهدد مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة وتكافؤ الفرص.

العدالة في اختبار التوازن

تكشف هذه التطورات أن الصراع حول مشروع قانون المحاماة يتجاوز الخلاف حول شروط الولوج أو آليات التكوين، ليعكس معركة أعمق حول استقلال المهنة وموقعها داخل منظومة العدالة. فشلل المحاكم ليس غاية في حد ذاته، بل رسالة ضغط قوية تؤشر إلى شعور متزايد داخل الجسم المهني بأن دوره الدستوري في حماية الحقوق والحريات مهدد.

إن تمرير قانون يضعف استقلال المحاماة دون توافق واسع، لا ينذر فقط بأزمة مهنية، بل يهدد توازن العدالة برمتها، ويجعل حق المواطن في محاكمة عادلة رهين منطق الغلبة بدل منطق الشراكة. إنها لحظة اختبار حقيقي لإرادة الإصلاح واحترام روح الدستور قبل نصوصه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى