
المجلس الأعلى للحسابات يرصد اختلالات هيكلية تهدد محاربة الهدر المدرسي
كشف تقرير حديث للمجلس الأعلى للحسابات عن اختلالات بنيوية عميقة في تدبير دور الطالب والطالبة، محذراً من انعكاساتها المباشرة على جهود الدولة في محاربة الهدر المدرسي وتقليص الفوارق المجالية، خصوصاً بالعالم القروي.
وبحسب التقرير، الذي شمل فترة 2018–2024، بلغ عدد دور الطالب والطالبة إلى غاية نهاية سنة 2024 ما مجموعه 1067 مؤسسة، تؤوي حوالي 84.879 مستفيداً، تشكل الإناث 56 في المائة منهم، مقابل 267 مؤسسة فقط سنة 2005، ما يعكس توسعاً كمياً لم يواكبه إصلاح مؤسساتي وتنظيمي مماثل .
غياب رؤية استراتيجية وتنازع في الاختصاصات
سجل المجلس غياب رؤية استراتيجية واضحة تحدد الموقع الوظيفي لدور الطالب والطالبة داخل منظومة التربية الوطنية، في ظل تشتت المسؤوليات بين عدة قطاعات، أبرزها وزارة التضامن، وزارة التربية الوطنية، وزارة الداخلية، ومؤسسة التعاون الوطني.
هذا التداخل، حسب التقرير، أدى إلى ضعف التنسيق وغياب جهة مشرفة بشكل صريح، ما جعل هذه المؤسسات خارج عدد من الاستراتيجيات القطاعية، رغم دورها المحوري في دعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي .
أرقام مقلقة: اكتظاظ من جهة وطاقة مهدورة من جهة أخرى
كشف الافتحاص عن مفارقة صارخة في استغلال الطاقة الاستيعابية، حيث إن نحو 50 في المائة من الدور لا تستغل كامل طاقتها، مقابل 40 في المائة تعاني من اكتظاظ مرتفع، تجاوز في بعض الجهات ضعف الطاقة القانونية، خاصة بجهات مراكش–آسفي، سوس–ماسة، وفاس–مكناس.
وسجل التقرير وجود 90 داراً تشتغل خارج الإطار القانوني إلى حدود نهاية 2024، موزعة على عشر جهات، ما يطرح إشكالات خطيرة مرتبطة بالسلامة، الحكامة، وجودة الخدمات المقدمة .
نموذج تمويلي هش يثقل كاهل الأسر
اعتماد دور الطالب والطالبة شبه الكلي على الدعم العمومي، الذي يمثل حوالي 76 في المائة من مواردها، جعلها رهينة لتقلبات التمويل. كما أن 64 في المائة من الجمعيات المسيرة تلجأ إلى فرض مساهمات مالية على الأسر، تتراوح بين 1000 و2000 درهم سنوياً، في تعارض صريح مع مبدأ المجانية المنصوص عليه قانوناً.
وسجل التقرير أن متوسط الإنفاق اليومي لكل مستفيد لا يتجاوز 20 درهماً، مقابل تكلفة مرجعية دنيا محددة في 60 درهماً، ما ينعكس سلباً على جودة الإيواء، التغذية، والتأطير التربوي .
ضعف التأطير والموارد البشرية
على مستوى الحكامة الداخلية، أظهر التقرير أن 51 في المائة فقط من الدور قامت بتفعيل لجان التدبير القانونية، فيما تعاني أغلب المؤسسات من خصاص حاد في الموارد البشرية المؤهلة، حيث لا يتجاوز المعدل الوطني 8 مستخدمين لكل مؤسسة، مع نسب ضعيفة للتصريح بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وعدم احترام الحد الأدنى للأجور في غالبية الحالات.
كما أن الموارد المخصصة للأنشطة التربوية والثقافية لا تتعدى 1 في المائة من نفقات التسيير، ما يحول هذه الدور إلى فضاءات إيواء فقط، دون أداء دورها التربوي والاجتماعي المفترض .
توصيات استعجالية
ودعا المجلس الأعلى للحسابات إلى الإسراع بتحديد جهة حكومية واحدة مشرفة، وإدماج دور الطالب والطالبة ضمن السياسات العمومية للتعليم والحماية الاجتماعية، مع اعتماد السجل الاجتماعي الموحد في استهداف المستفيدين، ومراجعة النموذج التمويلي لضمان الاستدامة وجودة الخدمات.
تقرير يضع وزارة التربية الوطنية، ووزارة التضامن، ووزارة الداخلية أمام مسؤولية سياسية ومؤسساتية واضحة، ويطرح سؤال النجاعة والعدالة المجالية في أحد أهم أوراش محاربة الهدر المدرسي بالمغرب.




