الرئسيةمجتمع

5 ملايين مسن مغربي: شيخوخة السكان واختبار الدولة

°تحرير: جيهان مشكور

يكشف إحصاء 2024، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، حقيقة ديمغرافية لا يمكن تغليفها بالخطابات: خمسة ملايين مغربي تجاوزوا سن الستين، أي ما يقارب %14 من مجموع السكان، مع معدل نمو سنوي يبلغ %4.6، مقابل أقل من %1 كنمو سكاني عام.. هذه الأرقام لا تعني فقط أن المجتمع يشيخ، بل تعني أن الدولة تشيخ سياساتها قبل أن تُحدّث أدواتها، وتترك الزمن يسبق التخطيط بخطوات واسعة.

مؤسسات رعاية عاجزة وأسئلة كرامة مؤجلة

تعاني مؤسسات رعاية المسنين من عجز هيكلي مزمن، سواء من حيث الطاقة الاستيعابية أو جودة الخدمات، فعدد دور الرعاية المرخصة لا يغطي سوى نسبة ضئيلة من الطلب المتزايد، فيما يعتمد جزء كبير منها على جمعيات تعيش على الإعانات الموسمية.. والنتيجة: رعاية حدّها الأدنى الإيواء، وحدّها الأقصى الانتظار،و في هذا السياق، يصبح الحديث عن الكرامة رفاهية لغوية، لا حقاً اجتماعياً مضموناً.

تُحذّر التوقعات من مستقبل أكثر قسوة

التوقعات المستقبلية لا تقل إثارة للقلق، إذ يشير التقرير إلى أنه بحلول سنة 2050 سيكون واحد من كل أربعة مغاربة مسنا، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بانخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط أمد الحياة إلى حوالي 77 سنة.. هذا التحول العميق يعني أن منظومات التقاعد، والصحة، والحماية الاجتماعية، ستواجه ضغطا غير مسبوق، في وقت لا تزال فيه الموارد المالية محدودة، والإصلاحات الهيكلية بطيئة ومتعثرة.. ومع اتساع قاعدة المسنين، تتقلص في المقابل قاعدة السكان النشيطين القادرين على تمويل أنظمة التضامن الاجتماعي، ما ينذر باختلالات مالية واجتماعية معقدة.

“الأسر المستقبلية” … حل إنساني أم قنبلة مؤجلة؟

أمام هذا الواقع، اقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي اعتماد نظام “الأسر المستقبلية” أو ما يشبه تبني كبار السن، كبديل جزئي عن مؤسسات الرعاية، تبدو الفكرة، في ظاهرها إنسانية، و تعيد الاعتبار للدفء الأسري وتخفف الضغط عن الدولة.. لكنها في العمق اعتراف غير معلن بأن الدولة لم تعد قادرة على تحمل كلفة الشيخوخة، فتلجأ إلى تفويضها اجتماعياً، مع وعود بالمواكبة أكثر مما هي ضمانات ملزمة.

امتحان سياسي قبل أن يكون اجتماعياً

يثير هذا النموذج تساؤلات جوهرية حول التمويل والمراقبة والحماية القانونية. من يضمن ألا يتحول المسن إلى “دخل إضافي” داخل أسرة مستقبِلة؟ ومن يراقب جودة الرعاية في الفضاء الخاص؟ خاصة وأن نسبة الفقر في صفوف المسنين تتجاوز %20، وفق معطيات رسمية، بينما لا يستفيد من التقاعد سوى أقل من %40 من كبار السن.. هنا تختلط النوايا الحسنة بإمكانيات محدودة، وتصبح المخاطر واقعية لا نظرية.

رعاية المسنين ليست شأناً اجتماعياً فحسب

قضية رعاية المسنين ليست شأناً اجتماعياً فحسب، بل مرآة لاختيارات اقتصادية وسياسية.. فالدول التي تحترم نفسها تخطط لشيخوخة مواطنيها بنفس الجدية التي تخطط بها لنموها، أما الاكتفاء بحلول إسعافية، فليس سوى تأجيل لأزمة أكبر، عنوانها الأوضح: مجتمع يشيخ بسرعة، وسياسات تتقدم ببطء، وبينهما كرامة معلّقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى