يحل فاتح ماي هذه السنة في المغرب وسط مناخ اجتماعي مشحون أكثر من أي وقت مضى، حيث لم تعد الشعارات التقليدية حول العدالة الاجتماعية وكرامة الشغل قادرة وحدها على إقناع المواطن، بعدما أصبحت القدرة الشرائية منهكة، والطبقة المتوسطة تتآكل بصمت، والعمال والموظفون يعيشون بين مطرقة الغلاء وسندان الأجور الجامدة.
الكونفدرالية الديمقراطية للشغل النقابة الوحيدة التي كسرت الاحتفال الافتراضي واحتفلت ميداينا بفاتح ماي (أشيف)
هذا اليوم، الذي يفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بالطبقة العاملة وتقييم السياسات العمومية المرتبطة بالشغل والعدالة الاجتماعية، تحول لدى فئات واسعة إلى لحظة مساءلة حقيقية ماذا تحقق فعلاً؟ وأين اختفت الوعود التي رفعتها الحكومات المتعاقبة والنقابات على حد سواء؟
المواطن لا ينتظر الشعارات بل الحلول
في الشارع المغربي، لم يعد العامل ينتظر خطاباً حماسياً أو لافتة نقابية مزخرفة، بل يبحث عن جواب بسيط ومباشر فكيف سيواجه نهاية الشهر؟ كيف سيدبر كلفة الكراء، وفواتير الماء والكهرباء، ومصاريف الدراسة، وارتفاع أسعار المواد الأساسية التي لم تعد تعرف سقفاً واضحاً؟
فاتح ماي لم يعد مجرد موعد احتفالي، بل صار مرآة صادقة لواقع اجتماعي مرتبك، حيث يشعر كثيرون أن النقابات فقدت جزءاً من بريقها التاريخي، بعدما تحولت في نظر البعض إلى مؤسسات موسمية تستيقظ في المناسبات الكبرى ثم تعود إلى صمتها المعتاد، بينما تتسع الهوة بين الخطاب والممارسة.
تحولت النقابات إلى هياكل بلا قوة ضغط حقيقية، بعد تمرير قانون يُنظر إليه كآلية لتقييد حق الإضراب أكثر مما هو تنظيم له.
تآكلت قاعدتها الاجتماعية بشكل واضح، وتشتت المشهد النقابي إلى عشرات الكيانات التي أفرغت العمل النقابي من وزنه وتأثيره.
وفي المقابل، اتسعت دائرة البطالة بشكل مقلق، مع خروج أعداد كبيرة من سوق الشغل، ما أضعف القدرة الجماعية على الاحتجاج وعمّق هشاشة التمثيلية النقابية.
الغلاء يفضح هشاشة التوازن الاجتماعي
الأمر لا يتعلق فقط بالأجور، بل أيضاً بإحساس عام بعدم الإنصاف، موظفون في قطاعات حيوية يشتكون من تفاوتات صارخة في التعويضات، شباب بشهادات عليا عالقون بين البطالة والهشاشة، ومستخدمون في القطاع الخاص يواجهون هشاشة قانونية تجعل الاستقرار المهني حلماً بعيداً.
وفي المقابل، تبدو الحكومة منشغلة أكثر بلغة الأرقام والمؤشرات الكبرى، فيما المواطن يقيس الأمور بمنطق يومي بسيط هل تحسن وضعي أم لا؟ وهل أصبحت الحياة أكثر كرامة أم أكثر قسوة؟
بين النقابات والانتخابات.. من يمثل من؟
المفارقة أن كل الأطراف تتحدث باسم المواطن، لكن المواطن نفسه يشعر غالباً أنه خارج الحسابات. الأحزاب تستحضر اسمه في الحملات، والنقابات ترفعه في المسيرات، والحكومة تضعه في البلاغات الرسمية، لكنه يظل وحده أمام الواقع.
فاتح ماي 2026 يأتي أيضاً على بعد أشهر قليلة من استحقاقات انتخابية جديدة، ما يجعل كثيراً من التحركات السياسية والنقابية محط شك وتساؤل هل نحن أمام دفاع حقيقي عن الحقوق، أم مجرد تسخين انتخابي مبكر؟
كرامة الشغل لا تُقاس بالشعارات
المغاربة اليوم لا يريدون خطابات كبيرة، بل قرارات صغيرة لكنها مؤثرة، تسقيف الأسعار، حماية القدرة الشرائية، عدالة ضريبية، إصلاح حقيقي لمنظومة الأجور، وربط المسؤولية بالمحاسبة بعيداً عن الشعارات المستهلكة.
في النهاية، يبقى فاتح ماي أكثر من مجرد عيد للشغل؛ إنه امتحان سنوي لصدق الدولة والنقابات والأحزاب معا، لأن كرامة العامل لا تُقاس بعدد اللافتات المرفوعة في الشارع، بل بقدرته على العيش بكرامة حين يعود إلى بيته.