
لم يمت أحمد بركات… نحن من تأخرنا
تحرير: أحمد دابا
هكذا، خلد أحمد بركات اسمه في تلك السلالة القليلة من الشعراء الذين يرحلون باكرًا، لكنهم لا يغادرون. أولئك الذين يهزمون الزمن بالموت، ويقيمون، إلى الأبد، في ديوان الإنسانية الكبير. كثيرًا ما كنت أفكر فيه وأنا أستحضر أسماء تشبهه في المصير: طرفة بن العبد (26 عاماً)، والرومانسي الإنجليزي جون كيتس (26 عاماً)، والشاعر السوري رياض الصالح حسين (28 عاماً)، وأبو القاسم الشابي (25 عاماً)، والروسي بوشكين (38 عاماً)، ولوركا (38 عاماً)….
أحمد لم يختر الموت، لكن الموت اختاره كما يختار الشعراء الحقيقيين.
ربما كان يعرف ذلك في قرارة نفسه. كان معجبا بتلك العبارة التي نحتها عبد الكبير الخطيبي عن نيتشه:
«إن جدارة الإنسان هي أن يستحق موته بين الموتى».

وأنا اليوم، كلما استعدت وجهه وصمته، أقول: لقد استحق أحمد موته كما يستحق الشاعر قصيدته الأخيرة.
لم يُكمل أحمد تعليمه الجامعي، غادر الجامعة في سنتها الثالثة، وكأن شيئا ما كان يدفعه خارج المسارات المألوفة.
لم يكن رجل شهادات، بل رجل قلق،سبق للشاعر محمد الشيخي أن صرح، أنه عرض عليه، أواخر الثمانينات، الإشراف على مشروع رسالة حول موسيقى الشعر المغربي المعاصر. فكرة عظيمة، لكن الحياة كانت أقسى من الأفكار، انسحب أحمد، ولم يعد.
كان عليه، كما قيل عنه، “أن يلهث وراء الخبز اليومي، أن يعمل في “فرن” المهنة القاسية، فيما كانت أحلامه تُخبز ببطء في الداخل، وتحترق أحيانا”.

أنا عرفته في بداية التسعينات، بدار الشباب ببوشنتوف. هناك التقيت أحمد بركات لأول مرة. لم يكن حضوره عاديا. كان يدخل المكان وكأنه يحمل معه ظلا أطول من جسده.
بعد ذلك، صرنا نجلس شبه يوميا في مقهى لارميطاج. لم يكن يتكلم كثيرا، لكن حين يتكلم، تشعر أن اللغة نفسها تتوقف لتصغي.
لم يكن “يتشبه” بالشعراء، كان شاعرا في طريقته في الجلوس، في صمته، في نظرته التي كانت تُشبه من يعرف النهاية ولا يريد تسميتها.
ثم جاء المرض، وجاء معه الصمت الكبير.
بعد زواجه من سعاد شرفي، وإقامته معها في حي الصخور السوداء بالدار البيضاء، اشتد عليه المرض.
أتذكر اليوم، ذلك العنوان الذي نشرته جريدة وطنية يومها: «الشاعر أحمد بركات بين الحياة والموت»، عنوان كان أقرب إلى مرثية مستعجلة.
نُقل إلى مصحة الحكيم قرب مستشفى 20 غشت بالدارالبيضاء
تحرك اتحاد كتاب المغرب، في عهد محمد الأشعري، ونُقل إلى مصحة الحكيم قرب مستشفى 20 غشت بالدارالبيضاء، لكن الأوان كان قد فات. كأن أحمد كان قد غادر قبل أن يغادر جسده.
أعود اليوم إلى نصوصه، فأجده كان يعرف تماما، بل كان يسعى إليه..
في مستهل ديوانه «أبدًا لن أساعد الزلزال» كتب:
«حذرٌ كأني أحمل في كفي الوردة التي توبّخ العالم…
قلبَ شاعر في حاجة قصوى إلى لغة…»
وكان هذا قلبه بالضبط. قلب في حاجة ماسة إلى لغة تنقذه.
ويقول:
«وأعرف بالبديهة أني عمّا قريب
سأذهب مع الأشياء
التي تبحث عن أسمائها
فوق سماء أفضل.»
كلما قرأت هذا المقطع اليوم، أشعر أنه لم يكن شعرا، بل إشعارا مبكرا بالرحيل.
ويتابع:
«ربما حتى أصل إلى القرى المعلّقة
في شموس طفولتكم
عليّ أن أجتاز هذا الجسر الأخير…»

أي جسر هذا الذي كان يعبره وحده، ونحن نظنه جالسا معنا في المقهى؟
سؤال الموت لم يكن عند أحمد تيمة شعرية، بل كان جزءا من وعيه اليومي، من طريقته في النظر إلى الأشياء، وفي لمس اللغة بحذر، كمن يعرف أنها قد تنكسر في يده.
كان وفيا للسؤال، وفيّا للألم، وفيّا للقصيدة، في زمن خان فيه كثيرون لغتهم.
قال عنه، عبد الحميد جماهري إن أحمد عاش سريعا، وعاش طويلا في آن، وإن حياته كانت ذاكرة لجيل كامل.
وأنا أضيف: كان أحمد يعيش كما يكتب، ويكتب كما يتألم. كان يبحث عن اللغة التي سيفاجئ بها العالم. وحين لم يجدها في الحياة، ربما وجدها… في النفس الأخير من العدم.
هكذا أتذكره اليوم:
لا كذكرى بعيدة،
بل كصوت لم ينته،
وكجلسة مؤجلة في مقهى لارميطاج،
وكشاعر لم يمت…
لأنه ترك فينا ما لا يموت.





