
°تحرير: جيهان مشكور
أعاد الإعلان عن نتائج الاختبار الدولي للذكاء لعام 2026 فتح نقاش حول موقع المغرب في خريطة القدرات البشرية عالميًا، بعدما حل في المرتبة 66 بمعدل ذكاء بلغ 97.24 نقطة، متقدمًا بمركزين مقارنة بالسنة الماضية، ضمن عينة ضخمة تجاوزت 1.2 مليون مشارك من مختلف دول العالم..
يبدو الرقم للوهلة الأولى باعثًا على الاطمئنان، لكنه سرعان ما يتحول إلى مرآة تعكس أكثر مما تخفي، خاصة حين يوضع في سياقه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
الأرقام لا تكذب… لكنها لا تقول كل الحقيقة
من حيث الحساب المجرد، يضع هذا المعدل المغرب قريبًا من المتوسط العالمي الذي يناهز 100 نقطة، ما يعني أن الأداء المعرفي العام ليس متدنّيًا كما يُروّج أحيانًا .. غير أن المقارنة مع الدول المتصدرة، وعلى رأسها كوريا الجنوبية بمعدل 106.97 نقطة، تليها الصين واليابان وإيران، تكشف فجوة معرفية تعكس بالأساس اختلافات بنيوية في منظومات التعليم، والبحث العلمي، والاستثمار في الإنسان، فالدول التي تتربع على القمة هي نفسها التي تخصص نسبًا مرتفعة من ناتجها الداخلي الخام للتعليم، تتجاوز في حالات كثيرة 5 في المئة، بينما تشير معطيات رسمية دولية إلى أن الإنفاق العمومي على التعليم في المغرب ظل لسنوات يدور في مستويات أقل من الطموح، رغم الزيادات المعلنة في الميزانيات.
ذكاء فردي في بيئة جماعية مأزومة
تطرح النتيجة المسجلة مفارقة لافتة: أفراد قادرون على تحقيق معدل ذكاء قريب من المتوسط العالمي، داخل منظومة اجتماعية تعاني اختلالات عميقة.. فحسب تقارير أممية، لا تزال معدلات الهدر المدرسي مرتفعة، خاصة في العالم القروي، كما أن نسب الأمية، وإن تراجعت خلال العقدين الأخيرين، ما زالت تمس شريحة واسعة من البالغين، وهنا يظهر الذكاء كطاقة كامنة، لا كقيمة مضافة فعلية في الدورة الاقتصادية، فاقتصاد لا يستثمر في البحث والابتكار، ولا يخلق فرص عمل نوعية، يحول الذكاء إلى رأسمال معطّل، وإلى طاقة تُستهلك في الهجرة أو في التكيف مع الهشاشة بدل تحويلها إلى إنتاج.
السياسة التعليمية… حين يصبح الذكاء شأنًا ثانويًا
لا يمكن فصل ترتيب المغرب في هذا المؤشر عن اختياراته السياسية في مجال التعليم، فالإصلاحات المتعاقبة، رغم كثرتها، ظلت أسيرة منطق الترقيع أكثر من كونها مشاريع تحول جذري.. تقارير رسمية وطنية ودولية تتقاطع في التأكيد على ضعف جودة التعلمات الأساسية، خصوصًا في الرياضيات والعلوم واللغات، وهي مجالات ترتبط مباشرة بتنمية القدرات الذهنية، في المقابل، تُظهر تجارب الدول المتقدمة في التصنيف أن الاستثمار في المعلم، والمناهج الحديثة، والبحث العلمي، هو الطريق الأقصر لرفع المعدلات وتحويل الذكاء الفردي إلى قوة جماعية.
بين قاع الترتيب وقمته… درس عالمي بوجه مغربي
وجود دول مثل الصومال في ذيل الترتيب بمعدل 83.84 نقطة يذكر بأن الذكاء ليس معطى بيولوجيًا صرفًا، بل نتيجة مباشرة للاستقرار السياسي، وجودة التعليم، ومستوى العيش، وهو الدرس نفسه الذي ينبغي قراءته مغربيًا: التقدم بمركزين لا يعني بالضرورة تحسنًا جوهريًا، بقدر ما يعكس حركة نسبية داخل ترتيب عالمي متقلب، فالرهان الحقيقي ليس في رقم يُتداول إعلاميًا، بل في السياسات القادرة على تحويل هذا الرقم إلى تعليم منتج، واقتصاد معرفي، ومجتمع يتيح لأفراده التفكير بحرية والإبداع دون قيود.
خلاصة ساخرة بواقعية جارحة
أن يحتل المغرب المرتبة 66 عالميًا في معدل الذكاء قد يكون خبرًا مفرحًا في نشرة سريعة، لكنه في العمق سؤال ثقيل: ماذا نفعل بهذا الذكاء؟ في بلد ما زال فيه النقاش العمومي يدور حول أبجديات التعليم والصحة والشغل، يبدو الذكاء الفردي كأنه عدّاد سيارة قوية تسير في طريق مليئة بالحفر، فالأرقام تقول إن الإمكان موجود، والواقع يرد بأن الإرادة السياسية والاستثمار الحقيقي هما الغائبان الأكبران..هنا فقط تتحول السخرية إلى واقع، ويتحول الذكاء من فرصة تاريخية إلى مفارقة مؤلمة.





