
مع اقتراب شهر رمضان، تعود إلى الواجهة ظاهرة موسمية باتت مألوفة لدى الأسر المغربية ارتفاع أسعار المواد الأساسية، وفي مقدمتها البيض، الذي يتحول من مادة غذائية يومية في متناول الجميع إلى سلعة مثقلة بحمى المضاربة.
الأسواق هذه الأيام تعرف تقلبات ملحوظة في أثمنة البيض، وسط تذمر متزايد من المستهلكين، خاصة ذوي الدخل المحدود، الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة بين القدرة الشرائية ومتطلبات المائدة الرمضانية.
طلب موسمي أم مضاربة مبكرة؟
يربط مهنيون ارتفاع الأسعار بزيادة الطلب التي تسبق شهر الصيام، حيث يرتفع استهلاك البيض بشكل لافت، سواء في إعداد الحلويات التقليدية، أو في تحضير أطباق الإفطار والسحور.
غير أن متتبعين للشأن الاستهلاكي يرون أن الأمر يتجاوز منطق العرض والطلب، ليصل أحيانا إلى حدود المضاربة واستغلال الظرفية النفسية المرتبطة برمضان، حيث يسود سلوك التخزين والاقتناء المسبق بكميات كبيرة.
فالطلب الموسمي لا يبرر، حسب فاعلين جمعويين، الزيادات المتسارعة التي تسجل في ظرف أيام معدودة، خصوصا في غياب معطيات رسمية واضحة حول حجم الإنتاج الوطني ومستويات المخزون.
من يتحكم في السوق؟
سوق البيض بالمغرب يخضع لبنية توزيع معقدة، تبدأ من الضيعات، مرورا بالوسطاء وتجار الجملة، وصولا إلى بائعي التقسيط. هذه السلسلة الطويلة تفتح المجال أمام تعدد هوامش الربح، وأحيانا أمام اختلالات في المراقبة والتتبع.
وفي ظل غياب تسقيف للأسعار أو آليات ضبط فعالة خلال الفترات الحساسة، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف. فالأسر لا تملك سوى التكيّف مع الأسعار الجديدة، حتى وإن كانت غير منسجمة مع دخلها الشهري.
القدرة الشرائية تحت الضغط
ارتفاع أسعار البيض لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع موجة غلاء تشمل مواد أخرى أساسية، ما يضاعف الضغط على ميزانية الأسر. فشهر رمضان، الذي يفترض أن يكون موسما للتضامن والتقشف، يتحول تدريجيا إلى فترة استنزاف مالي.
الأسر ذات الدخل المحدود تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، أو تقليص بعض المشتريات، في وقت تتزايد فيه الكلفة الإجمالية لمائدة الإفطار يوما بعد يوم.
أين المراقبة الاستباقية؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: لماذا لا يتم تفعيل مراقبة استباقية للأسواق قبل حلول رمضان، بدل الاكتفاء بردود فعل متأخرة بعد انفجار الأسعار؟
تدخل لجان المراقبة غالبا ما يأتي بعد تصاعد الجدل، بينما المطلوب، وفق فاعلين في مجال حماية المستهلك، هو تتبع يومي لمسارات التوزيع وهوامش الربح، مع نشر معطيات شفافة حول الإنتاج والكلفة الحقيقية.
فاستقرار الأسعار لا يرتبط فقط بحجم الإنتاج، بل أيضا بمدى نجاعة الحكامة الاقتصادية، وصرامة الرقابة على المضاربين.
بين الواقع والمائدة الرمضانية
في النهاية، يبقى البيض مؤشرا رمزيا على اختلالات أوسع في تدبير الأسواق خلال الفترات الحساسة، فإذا كان منتوج بسيط وأساسي كفيل بإشعال موجة تذمر قبل حلول رمضان، فذلك يعكس هشاشة التوازن بين العرض والطلب، وغياب رؤية استباقية لحماية القدرة الشرائية.
حمّى رمضان لا ينبغي أن تتحول إلى موسم سنوي لالتهاب الأسعار، فاستقرار الأسعار شرط أساسي لصون كرامة المستهلك، وضمان حد أدنى من الطمأنينة الاجتماعية في شهر يفترض أن يكون شهر رحمة وتكافل، لا شهر مضاربة وانتظار.




