
°تحرير: جيهان مشكور
حقق المغرب اليوم الأربعاء في أديس أبابا فوزاً دبلوماسياً بارزاً بانتخابه من الدور الأول لولاية مدتها سنتان داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، بعد حصوله على 34 صوتاً، أي أكثر من ثلثي الدول الأعضاء.
ويكشف هذا العدد عن ثقة واسعة بمكانة المملكة في القارة، ويعكس قدرة الرباط على بناء تحالفات فعّالة تتجاوز الانقسامات الإقليمية التقليدية، ويضعها في موقع مؤثر ضمن أجهزة القرار التي تتعامل مع النزاعات والقضايا الأمنية المعقدة.
من العودة إلى إعادة التموضع: سبع سنوات من اختبار النفوذ
ساهم المغرب منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017 في تعزيز فعالية مجلس السلم والأمن عبر مقاربات شمولية ومسؤولة، حيث سبق له شغل مقعد المجلس في ولايتين سابقتين، الأولى من 2018 إلى 2020 والثانية من 2022 إلى 2025.. وقدّم المغرب نفسه باعتباره فاعلاً يسعى إلى تحسين أساليب العمل وإرساء”ممارسات فضلى” بتنسيق مع باقي الدول الأعضاء، في إطار ما تصفه دبلوماسيته بمقاربة مسؤولة وشمولية.
تخفي هذه الصياغات الدبلوماسية خلفها رهانات ثقيلة: فمجلس السلم والأمن يتدخل في ملفات الانقلابات العسكرية، وبعثات حفظ السلام، وآليات الإنذار المبكر.. وفي قارة شهدت خلال السنوات الأخيرة تزايداً في حالات تغيير الأنظمة بالقوة، وارتفاعاً في الإنفاق العسكري في بعض المناطق وفق معطيات دولية، يصبح المقعد داخل هذا المجلس أداة تأثير في هندسة المواقف الإفريقية الجماعية.
البعد الاقتصادي للأمن… حين تلتقي الاستثمارات بالاستقرار
يربط المغرب بين الاستقرار والأمن والنجاح الاقتصادي، إذ يرى في المجلس أداة حماية لمشاريعه الاستثمارية في إفريقيا، خاصة في قطاعات البنوك والاتصالات والطاقة والزراعة،ويشير الواقع إلى أن أي توتر أمني في القارة له تأثير مباشر على مناخ الاستثمار ويعرض المشاريع للخطر، وهو ما يجعل الحضور الفعلي داخل مجلس السلم والأمن ضرورة استراتيجية لحماية مصالح الرباط الاقتصادية من خلال التدخل المبكر في النزاعات أو دعم حلول سلمية فعالة.
بين القمم والوقائع… دبلوماسية تتحرك في هامش ضيق
يشارك المغرب في الدورة العادية الثامنة والأربعين للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي بوفد يقوده وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، استعداداً للقمة التاسعة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي المقررة يومي 14 و15 فبراير الجاري، ويؤكد هذا الحضور تصميم المغرب على تحويل المقعد في المجلس إلى نفوذ ملموس في الملفات الأمنية، وممارسة دبلوماسية نشطة ضمن آليات الاتحاد الإفريقي، بعيداً عن الشعارات الشكلية.
واقعية بلا أوهام..
يواجه المغرب اختباراً جديداً في كيفية تحويل هذه الشرعية الرقمية إلى تأثير فعلي على الأرض في ملفات النزاعات وحفظ السلام، خصوصاً في قارة تواجه تحديات متعددة من انقلابات وتوترات إقليمية متكررة.. ويستند نجاح الرباط إلى دمج الرؤية السياسية بالقدرة الاقتصادية والدبلوماسية، في سياق يتشابك فيه المصالح القارية مع الضغوط الدولية، مما يجعل حضوره في مجلس السلم والأمن أكثر من مجرد منصب شرفي، بل منصة لتوسيع نفوذها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية داخل إفريقيا.




