
مع الإعلان السنوي عن نتائج امتحانات البكالوريا، تعيش الأسر المغربية أجواء من الفرح والاحتفال بنجاح أبنائها بعد سنوات من الدراسة والاجتهاد.
غير أن هذه المناسبة التي كانت إلى وقت قريب محطة للاعتزاز بتحقيق النجاح أصبحت اليوم محاطة بضغوط متزايدة ترتبط أساساً بالمعدلات المحصل عليها والترتيب بين الناجحين.
من الاحتفال بالنجاح إلى سباق المعدلات
في السابق، كان الحصول على شهادة البكالوريا يمثل إنجازاً مهماً في حد ذاته، بغض النظر عن المعدل أو الرتبة. وكان النجاح يُنظر إليه كدليل على المثابرة والقدرة على تجاوز مرحلة تعليمية حاسمة.
أما اليوم، فقد أصبحت المعدلات المرتفعة محط اهتمام كبير داخل الأسر وفي الفضاء الرقمي، حيث يتم التركيز على أصحاب أعلى النقط والمراتب الأولى، ما خلق نوعاً من التنافس المتزايد بين التلاميذ، وأحياناً بين الأسر نفسها.
ضغط نفسي يرافق التلاميذ
هذا التحول في النظرة إلى النجاح أفرز ضغوطاً نفسية متنامية على التلاميذ، الذين بات كثير منهم يشعر بأن النجاح وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية لنتائجهم تُقاس بعدد النقاط المحصل عليها.
ويؤكد مختصون في علم النفس أن هذا الوضع يجعل عدداً من التلاميذ يعيشون توتراً مستمراً قبل الامتحانات وبعدها، خوفاً من عدم تحقيق المعدلات المنتظرة أو مقارنة نتائجهم بنتائج الآخرين، وهو ما قد يؤثر على ثقتهم بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم.
النجاح ليس رقماً فقط
يرى متابعون للشأن التربوي أن اختزال النجاح في المعدلات المرتفعة يفرغ العملية التعليمية من جزء مهم من رسالتها، إذ إن التفوق لا يقاس فقط بالأرقام، بل يشمل أيضاً اكتساب المعارف والمهارات وتنمية الشخصية والاستعداد للحياة الجامعية والمهنية.
كما أن لكل تلميذ مساره وقدراته الخاصة، وهو ما يجعل المقارنة المطلقة بين النتائج أمراً غير منصف في كثير من الأحيان.
الأسر بين الفخر والقلق
لم تعد فترة إعلان النتائج مجرد لحظة انتظار لمعرفة النجاح من عدمه، بل تحولت لدى بعض الأسر إلى مصدر للقلق والترقب، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تسلط الضوء بشكل كبير على المعدلات الاستثنائية.
ويؤدي هذا المناخ إلى رفع سقف التوقعات لدى بعض الآباء والأمهات، ما قد ينعكس سلباً على الأبناء الذين يحققون نتائج جيدة لكنها لا ترقى إلى مستوى الطموحات المرسومة مسبقاً.
نحو ثقافة تربوية أكثر توازناً
أمام هذه التحولات، يدعو مختصون إلى ترسيخ ثقافة تربوية أكثر توازناً، تقوم على تشجيع التلاميذ وتقدير جهودهم بغض النظر عن المعدلات المحصل عليها، مع التأكيد على أن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند نقطة أو معدل، بل يمتد إلى القدرة على مواصلة التعلم وبناء مشروع حياة ناجح.
فالبكالوريا، مهما كانت نتائجها، تبقى محطة من محطات المسار الدراسي، وليست الحكم النهائي على مستقبل التلميذ أو قيمته داخل المجتمع.





